من الوطن إلى المنفى.. عندما يصبح البحث عن الأمان رحلة بلا حدود … 20 يـــــونـــيـــو اليوم العالمي للاجئين…
بقلم/ الدكتورة أسـمــاء عـــيــســي / رئيسة برنامج الهندسة الاجتماعية – مؤسـسـة BRC
- يقول ألبير كامو: ” في عمق الشتاء اكتشفت أن في داخلي صيفا لا يقهر “.
- الإنسان أكبر من الحدود ..
إن الحديث عن قضية اللاجئين الذين اغتصبت أوطانهم وأجبرتهم الحروب، والكوارث، والاضطهادات والعنصرية على مغادرة أرض أمانهم ومأمنهم بحثا عن الكرامة، والأمن، والاحتواء، يجعلنا نقف أمام إنسانيتنا التي تنساب على ضفاف القيود رغم إدراكنا التام أنها من أكبر وأكثر وأعظم القضايا التي تستحق أن نتحدث عنها ..
إننا اليوم لا نحيي فقط ذكرى ملايين البشر الذين فقدوا سقف انتمائهم قبل منازلهم .. بل هي دعوة أخلاقية وإنسانية للتضامن والدعم والوقوف قلبا واحدا مع ملايين الأشخاص الذين يعيشون كالغرباء بعيدا عن أرض تحمل تفاصيل أصولهم وعاداتهم وتقاليد هويتهم الوطنية والثقافية ..
إنّ اللجوء ليس مجرد انتقال من مكان لآخر، ولا رقم لملأ التقارير والجداول الإحصائية وحساب النسب المئوية، بل تجربة إنسانية تبدأ خلال اللحظات الأولى للخوف وتنتهي برحلة طويلة من الصبر، والانتظار، والأمل .. فاللاجئ إنسان ينتمي لهذا العالم الذي يواجه فيه مستقبلا مجهولا بهوية رثة، وعقل مليء بالصراعات وتساؤلات لا إجابة لها .. فمن اضطر لترك بيته، ومدرسته، وعمله، وعائلته ومستقبله، وحاضره وماضيه بحثا عن الحق في حياة آمنة يا ترى كيف حاله؟..
قصص اللاجئين لا تروى بالكامل، فخلف كل قصة تفاصيل مليئة بالكرامة، العفة، الحياء، والخجل .. قصة أمهات تحمل أطفالها لتعبر الحدود هربا من الموت والعذاب .. وقصة آباء فقدوا مصدر أرزاقهم .. وقصة أطفال استبدلت مدارسهم بخيم للنزوح .. وقصص أحلام الشباب التي كادت أن تصبح حقيقة .. فكم من محامي، وطبيب، وهندس، ومعلمة، ومربية، دكتورة …..الخ بقيت معلقة على جدار مهترئ يراه العالم بعين من الشفقة لا بقلب من الإنسانية..
- اللاجئون وصناعة الأمل ..
الحدود قد تمنع العبور، لكنها لا تستطيع إيقاف الأحلام..
يقدم اللاجئون حول العالم نماذجا مدهشة للصمود، والإرادة، والحياة .. فما نشاهده اليوم من نجاحات عظيمة كعظمة أحلامهم هي حصيلة سنوات من الإيمان المطلق أن الإنسان خلق ليعيش بكرامة، ليقدم الأفضل، وليؤمن بأن الإنسانية تخلق من الحلم الصغير نجاحا كبيرا .. فرغم الصعوبات التي عايشوها وتعاشوا معها استطاع الكثير من اللاجئين أن يحققوا الكثير من النجاحات في مختلف ميادين العلوم ومجالات العمل وأمثلة ذلك كثيرة وكثيرة جدا .. فنجد المفكر إدوارد سعيد الذي عاش تجربة اللجوء الفلسطيني وأصبح أستاذا مرموقا في جامعة كولومبيا وترك إرثا فكريا عالميا في مجالات الأدب، والفلسفة، والثقافة .. ورجل الأعمال مو ابراهيم الذي هاجر من السودان وأصبح من أبرز رجال الأعمال في مجال الاتصالات في العالم .. وغسان كنفاني الروائي الفلسطيني الذي هجر مع أسرته بعد نكبة 1948 م وأصبح من أبرز الروائيين والصحفيين العرب وغيرهم من اللاجئين الذين تمنعهم الخيام من الوصول للجامعات ولم تمنعهم الحدود من بلوغ أهدافهم ليثبتوا لنا أن الإنسان قادر على تحويل المحنة إلى أثر .. واللجوء إلى قصة نجاح ..
إننا في هذا اليوم لا نحتفي بمعاناة اللاجئين بل بقوتهم وصمودهم وقدرتهم على التمسك بالأمل رغم الظروف، بالأحلام رغم الحاجة، وبالرغبة رغم الانهيار .. إننا اليوم نجدد إيماننا بأن العالم يستطيع أن يكون أكثر إنصافا وإنسانية عندما يضع الإنسان في قلب اهتماماته وسياساته ومخططاته..
فاللاجئون بالماضي والحاضر لم ولن يكونوا أرقاما بل كانوا رمزا للكرامة، للإنسانية، للأخلاق ولإرادة شعوب لا تنكسر .. ليؤكدوا لنا أنه في هذا العالم هناك فسحة للأمل والرحمة والإنسانية، وهناك متسع للنجاح للتعلم ولتحقيق الأحلام ..

