حين تسرق الطفولة يصبح اللعب عملا: أطفال يكبرون قبل أوانهم/ 12 يـــــونـــيـــو اليوم العالمي لمكافحة عمل الاطفال…

بقلم/ الدكتورة أسـمــاء عـــيــســي _ رئيسة برنامج الهندسة الاجتماعية – مؤسـسـة BRC

  • يقول نيلسون مانديلا: ” لا يوجد أي مجتمع يمكنه أن يدعّي العدل إذا كان أطفاله يعانون “..

عمل الأطفال ذلك المشهد اللاإنساني الذي يقف العالم أمامه كمرآة قاسية تعكس حقيقة وجوه بريئة تشيخ مبكرا أمام زحمة الحاجة وعفة الطلب.. إنه المشهد  الذي لا يزال واقعا ترتشفه أيادي صغيرة بحثا عن حياة تحتمي بقطعة خبز يابسة..

إن الحديث اليوم عن عمالة الأطفال كأبرز الظواهر والقضايا الاجتماعية المركبة يجعلنا نكتشف الكثير من الخبايا والاختلالات التي يعيشها النسق الاجتماعي، فهي ليست سلوك فردي أو خيار أسري بل هي فلسفة واقعية تخضع لمعايير التفاعلات التي تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية والرأس مال الاجتماعي والثقافي.

فحين تسرق الطفولة .. تسرق كرامة أيادي صغيرة بأحلام عظيمة، ينتزع شغف اللعب من مخاض البراءة بكل قسوة، ويصبح الركض خلف دنانير لا تسد عطش إنسان بالغ أشبه بالعيش في ميثافيزيقا السواد .. فالتعلم يصبح حلم، والألعاب تتحول لأدوات عمل، وتقف فوضى التساؤلات الطفولية حينها دون حماية أو تأهيل، وتتحول الضحكات إلى جبروت من الصمت القاتل، وملامح البراءة إلى تجاعيد يرسمها الزمن قبل أوانه..

ففي عالم يفترض أن يحتفي بالطفل كل يوم هناك زوايا رمادية يلتحف حولها الظلام وتختبئ فيها قصص أطفال لا يعرفون عن الطفولة سوى الركض بملابس بالية وأحذية هشة، يرون الصباح بداية مشقة لا طريقا نحو المدرسة، وتصبح العودة للمنزل محاكمة أسرية لا قسطا من الراحة.. فليس كل الأطفال ينامون على حكاية السندباد، والأميرة النائمة، وفلة والأقزام السبعة …الخ ولا كلهم يستيقظون على ضوء من الحب والأمان والأمل ورائحة المخبوزات الدافئة، هناك أطفال تحرقهم أشعة الشمس بدل دفئها، ويركضون بأطراف أصابعهم كل صباح خلف قمة العيش، دون قبلة تنسيهم ضجيج الأمنيات البريئة وقساوة جراح امتدت داخلهم وبين جفونهم شيء لا يشبه الطفولة..

كم هو مؤلم أن نقف عاجزين أمام قلوب بريئة تحتضننا بأعين دامعة وأيادي شوهها جرح إنساني كان يحلم بحمل القلم والركض في ساحة المدرسة وقراءة قصص الأطفال.. كم هو مؤلم أن تقف صرخاتنا أمام حناجر صامتة تود الصراخ .. يكفي، هناك خلل .. هناك مؤامرة .. هناك قلوب تريد أن تنبض بالرحمة، أن تتنفس بعدالة، أن تحلق بحرية.. أن نسأل عقولنا وذواتنا وقلوبنا الهشة كيف يمكن لطفل أن يتحمل ما لا يمكننا أن نتحمله نحن الكبار؟

في اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال لا يكفي فقط أن نكتب لهم، ونحبهم، ونحتويهم ليوم واحد أو للحظات عابرة ثم نمضي باتجاه مثالية الإنسان التي تدونها خوارزميات الشبكات العنكبوتية لنلتقي بهم بعد سنة أخرى ونكتب لأجل الكتابة، لأن معاناتهم لا تتوقف، وأحلامهم لا تدفن، وكلماتهم الصامتة لا تهدئ ..  بل هم بحاجة أن نشعر بهم أن نؤمن بأن طفولتهم تستحق أن تسترد وتعاش في عالم مليء بالبراءة لا الخبث، بالموقف الواحد لا ازدواجية المواقف، بقلب مطمئن لا خوف من الغد..

وختاما وليس آخر القول .. إننا بحاجة لمجتمع يرى الطفولة جزءا من حاضره ومستقبله .. مجتمع لا يسرق تفاصيل طفل ليشتري مادياته .. فالطفولة ليست مهنة ..