عمل الأطفال بين التسول المنظم وجرائم المخدرات : عندما تتحول الطفولة إلى أداة للجريمة المنظمة_ سلسلة رؤى علمية قانونية…
بقلم/ الدكتورة نور الكبيسي_ مدبرة فرع مؤسسة BRC العلمية الدولية بالأردن
في كل عام, يشكل اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال محطة هامة لتجديد الالتزام بحماية الطفولة من مختلف أشكال الاستغلال والانتهاكات حيث أن تشغيل أو عمالة الأطفال ظاهرة تشير إلى استغلال الطفال في أي شكل من أشكال العمل مما يحرم الأطفال من طفولتهم,ويعيق قدرتهم على الذهاب إلى المدرسة , ويؤثر تأثيرآ ضارأ عقليا أو جسديا أو اجتماعيا أو معنويا وأن هذا الاستغلال محظور بموجب التشريعات القانونية في موجب أنحاء العالم, ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تحرم الطفل من حقوقه الأساسية في التعليم والرعاية والنمو السليم . أن أخطر صور من هذا الاستغلال تتمثل في الزج بالأطفال في شبكات التسول المنظم والعمل القسري وترويج المخدرات , حيث تتحول براءة الطفولة الى وسيلة لتحقيق غير مشروعة في انتهاك صارخ للقانون والقيم الإنسانية .
ولقد شهدت السنوات الأخيرة تناميا متزايدا في ظاهرة استغلال الأطفال داخل سبكات التسول المنظم , والتي ترتبط في كثير من الأحيان بجرائم الإتجار بالبشر والإتجار بالمخدرات والاستغلال الاقتصادي. حيث أن الأطفال بحكم ضعفهم وصغر سنهم, أصبحوا هدفا سهلا للعصابات الإجرامية المنظمة التي تستغلهم لتحقيق أرباح غير مشروعة بعيدا عن أعين القانون .
تشير آخر التقديرات المتعلقة بعمالة الأطفال إن التحرر من عمل الأطفال حق أساسي من حقوق الإنسان , وهو حق مكفول في إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل (1988) , واتفاقيات منظمة العمل الدولية الأساسية, واتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل, وتجسد هذه الصكوك القانونية مجتمعة إجماعا عالميا مفاده أنه لا ينبغي إشراك أي طفل في عمل يضر بصحته أو نموه أو مستقبله. إن إعمال هذا الحق الأساسي واجب قانوني وأساس لبناء المجتمعات أكثر عدلا وشمولا, بدءا من أصغر أفرادها وأكثرهم ضعفا. وفي عام 2015, تعهد العالم بإنهاء عمالة الأطفال بحلول عام 2025, وذلك ضمن أهداف التنمية المستدامة, وقد أنتهى هذا الجدول الزمني,لكن عمالة الأطفال لا تزال قائمة ليومنا هذا . حيث إن لا يزال نحو 138 مليون طفل يعملون في جميع أنحاء العالم . وفي دراسة أخرى تشير التقديرات العالمية إلى أن 160 مليون طفل-63 مليون فتاة و97 مليون فتى,كانت منخرطين في عمالة الأطفال على مستوى العالم بداية عام 2020 وهو ما يمثل حوالي 1 من كل 10 أطفال في مختلف أنحاء العالم. ومن بين جميع الأطفال المنخطرين في عمالة الأطفال على مستوى العالم , يعمل 70 بالمائة منهم أو 112 مليونا في عدة قطاعات, وإن عدد الأطفال والشباب غير الملتحقين بالمدارس أعلى من ذلك : تشير التقديرات إلى أن 244 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6و18 عاما في جميع أنحاء العالم كانوا خارج المدرسة في عام 2021. ورغم تلاشي الفوراق الجندرية على المستوى العالمي,إلا أن هناك فجوات ماتزال قائمة في كلا الاتجاهين في كل منطقة من المناطق, وخاصة بين الشباب الذين هم في سن التعليم الثانوي, حيث يتعرض العديد من هؤلاء الأطفال لانتهاك كلا هذين الحقين من حقوق الطفل (اي الحق في الحماية من عمالة الأطفال , والحق في الانخراط في التعليم) , وتتفاقم هذه المخاطر في الأوضاع الإنسانية . وتكمن هذه الخطورة أن هذه الظاهرة أن الطفل لا يكون مجرد ضحية للعمل القسري أو التسول , بل قد يتحول إلى وسيلة لنقل المواد المخدرة أو إخفائها أو ترويجها , مستغلين الاعتقاد السائد بأن الأطفال أقل عرضة للتفتيش أو المسألة القانونية, وبهذا تتحول الطفول من مرحلة للبنء والتعلم والتطور إلى أداة تستثمرها الجريمة المنظمة لتحقيق مصالحها .
كما يؤدي بطبيعة الحال عمل الأطفال في بيئات الشارع إلى تعريضهم لمخاطر متعددة,من بينها الإدمان والعنف والاستغلال الجنسي والانخراط في السلوك الإجرامي,مما يزيد من احتمالية فقدانهم من فرص التعليم والاندماج الاجتماعي , مما يخلق جيلا معرضا للإقصاء والعنف والانحراف .وأن من أخطر مظاهر استغلال عمالة الأطفال , ارتباط عمالة الأطفال بالتسول المنظم بجرائم المخدرات, حيث تستغل العصابات الأطفال في التنقل بين المناطق أو التواصل مع أشخاص مختلفين تحت غطاء التسول, بما يسهل تنفيذ أنشطة إجرامية بعيدا عن الشبهات ,كما أن وجودو الطفل في الشارع لفترات طويلة يجعله أكثر عرضه للاحتكاك ببيات الجريمة والانحراف, الأمر الذي يزيد من احتمالية استدراجه إلى دوائرتعاطي المخدرات والإدمان.ومن الناحية القانونية نجد أن جميع دول العالم سنت تشريعات وعقدت اتفاقيات دولية للحد من هذه الظاهرة, كلفت الاتفاقيات الدولية وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل كما جرمتت العديد من التشريعات الوطنية استغلال الطفال في التسول أو الجرائم المتربطة بالمخدرات والإتجار بالبشر واعتبرت ذلك من الجرائم المشددة التي تستوجب العقاب الرادع, ولم تقتصر تلك الجهود على الحكومات فقط, بل أيضا تشمل المجتمع المدني, حيث تسعى المنظمات المهتمة بمجال الطفولة إلى المساهمة في وضع حلول لهذه الظاهرة والوقوف على الأسباب المؤدية لها .وأن من احد أسباب عمالة الأطفال هو المستوى الاقتصادي والثقافي للأسرة, والفقر ونقص البرامج الدولية لمحاربة الفقر وهو السبب الرئيسي لعمالة الأطفال, الأزمات التي تخلق العبء الاقتصادي والحروب أن النزاعات المسلحة هي المحرك الأساسي لأزمة التشرد وعمالة الأطفال العالمية , حيث يجبر الملايين على الفرار من منازلهم , مما يعرضهم لفقدان الأهل , وانعدام المأوى الآمن,الانتهاكات الجسيمة لحقوقهم , والحرمان من مقومات البقاء الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية.ايضا التفكك الأسري والتسرب المدرسي والبطالة وضعف شبكات الحماية الاجتماعية, كما أن مكافحة ظاهرة عمالة الأطفال والجرائم المنظمة تتطلب توفير برامج وقائية يستوجب تعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية والقضائية والتشريعية والاجتماعية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني لرصد حالات الاستغلال والتدخل المبكر لحماية الأطفال وإعادة تأهيل الأطفال الضحايا, باعتبارهم بحاجة إلى الحماية والدعم وأعادة دمجهم في المجتمع.
ختاما تشير الكبيسي, يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الاستجابة الفعالة للحد من عمالة الأطفال من خلال تفعيل الدور الرقابي للمنظمات على أماكن عمل الأطفال من خلال وضع عقوبات رادعة لأصحاب العمل الذين بخلوا بشروط عمل الطفل التي حددتها اتفاقيات عمل الأطفال, حيث يمثل انتهاكا صارخا لحقوقهم وتهديدا حقيقيا لأمن المجمتعومستقبله, ومن هنا فإن حماية الطفولة تتطلب تضافر الجهود التشريعية والأمنية والاجتماعية للقضاء على شبكات الاستغلال , وترسيخ بيئة آمنة تكفل لكل طفل حقه في التعليم والحياة الكريمة والنمو السليم.

