سمفونية الروح: حين تعجز اللغة تتكفل الموسيقى بالبوح/ 21 يـــــونـــيـــو اليوم العالمي للموسيقى
بقلم الدكتورة أسـمــاء عـــيــســي / رئيسة برنامج الهندسة الاجتماعية – مؤسـسـة BRC
- يقول لودفيغ فان بيتهوفن: الموسيقى وحي أسمى من كل حكمة وفلسفة.
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتزداد فيه الضغوط يحتاج الإنسان إلى ما يرمم روحه ويعيد إليه توازنه الداخلي، وهنا تظهر الموسيقى كملاذ إنساني دافئ لا تسألنا من نكون، ولا من أين جئنا، ولا بأي لغة نتحدث إنها تستقبل الجميع بالقدر نفسه من الرحابة، وتمنح كل قلب المساحة التي يحتاجها ليعبر عن نفسه..
الموسيقى ليست مجرد أصوات مرتبة وفق قواعد فنية، وليست ترفا ثقافيا يضاف إلى الحياة إنها جزء من التجربة الإنسانية نفسها .. فكم من أغنية أعادت إلينا شخصا غاب منذ سنوات؟ وكم من لحن أيقظ فينا ذكرى ظننا أنها اندثرت؟ فالموسيقى لا تحفظ الأصوات فقط، بل تحفظ المشاعر التي عشناها معها إنها صندوق أسرار القلب..
الموسيقى… اللغة التي يفهمها الجميع ويحتويها القلب:
قد تختلف لغات البشر ولهجاتهم وثقافاتهم، لكن الموسيقى تظل لغة عالمية ليست بحاجة لمترجم فالإنسان يستطيع أن يتأثر بمقطوعة موسيقية من ثقافة لا يعرف عنها شيئا، لهذا وصفها كثير من المفكرين بأنها اللغة العالمية للبشرية فهي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية والدينية، وتخاطب الإنسان في جوهره الإنساني المشترك.
عندما تضيق الكلمات عن التعبير وتصبح المشاعر أكبر من أن تحتويها العبارات، تتدخل الموسيقى لتؤدي مهمة البوح فهي تمنح الإنسان مساحة آمنة للتعبير عن ذاته، وتساعده على تفريغ مشاعره واستعادة توازنه النفسي، فالموسيقى ليست رفاهية ثقافية بل حاجة إنسانية عميقة ترتبط بجودة الحياة وبقدرة الإنسان على التكيف مع ضغوطها وتعقيداتها.
الموسيقى والهوية الثقافية .. جسر للسلام وملاذ للبوح:
تحمل الموسيقى ذاكرة الشعوب وتاريخها وثقافتها فمن خلال الأغاني والألحان الشعبية تنتقل الحكايات والتقاليد والخبرات من جيل إلى آخر، لتصبح الموسيقى وعاء للهوية الثقافية وحارسا للتراث الجماعي، فعلى الرغم من العولمة والتطور التكنولوجي ما تزال الموسيقى المحلية تحتفظ بمكانتها بوصفها مرآة تعكس خصوصية المجتمعات وتنوعها الحضاري، فلكل شعب موسيقاه التي تعبر عن بيئته وتاريخه وطموحاته وأحلامه.
لقد استطاعت الموسيقى في كثير من المحطات التاريخية أن تكون صوتا للحرية والعدالة والأمل، وأن توحد الناس حول قيم إنسانية مشتركة تتجاوز الانتماءات الضيقة..
ختاما وحين تغني الروح في اليوم العالمي للموسيقى فإننا لا نحتفي بالأصوات والأنغام فقط بل نحتفي بالقدرة الإنسانية على الإحساس، نحتفي بتلك القوة الخفية التي تجعل لحنا بسيطا قادرا على تغيير مزاج يوم كامل، أو مواساة قلب منكسر، أو إعادة الأمل إلى روح متعبة، وستبقى هناك أشياء لا تقال الموسيقى والطفل الذي يسكن داخلنا ..
إنها حقا… سمفونية الروح..

