ثقافة المؤثرين.. من رأس المال الرمزي إلى إعادة إنتاج المكانة الاجتماعية.. قراءة سوسيولوجية معاصرة
بقلم/ الدكتورة أسـمــاء عـــيــســي / رئيسة برنامج الهندسة الاجتماعية – مؤسـسـة BRC
يشهد العالم المعاصر تحولا جذريا في آليات إنتاج المكانة الاجتماعية، فلم تعد الأسرة أو المؤسسة التعليمية أو النخب السياسية والثقافية وحدها القادرة على صناعة الشخصيات المؤثرة في المجتمع، بل برزت منصات التواصل الاجتماعي بوصفها فضاءات جديدة لإنتاج الرمزية الاجتماعية، وإعادة توزيع النفوذ، وصناعة النجومية الرقمية، وقد أفرز هذا الواقع فاعلا اجتماعيا جديدا هو “المؤثر الرقمي” الذي استطاع أن يفرض حضوره داخل الحقول الاجتماعية المختلفة، وأن يصبح عنصرا مؤثرا في تشكيل الأذواق، وتوجيه السلوك، وإعادة إنتاج القيم والتمثلات الاجتماعية.
كما لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها التقني أو الإعلامي لأنها تعكس تحولات عميقة في طبيعة السلطة الاجتماعية وآليات اكتساب الاعتراف والمكانة داخل المجتمع الرقمي، فيرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المكانة الاجتماعية لا تبنى فقط على الثروة الاقتصادية وإنما تقوم أيضا على أشكال متعددة من رأس المال أهمها رأس المال الثقافي، والاجتماعي، والرمزي.
ويعد رأس المال الرمزي مصدرا للاعتراف والشرعية والهيبة داخل المجتمع، إذ يتحول إلى قوة اجتماعية تمنح أصحابها القدرة على التأثير في الآخرين، وفي البيئة الرقمية أصبح عدد المتابعين، ومستويات التفاعل، وانتشار المحتوى، أشكالا جديدة من رأس المال الرمزي، تكسب أصحابها مكانة قد تتجاوز في تأثيرها المكانة التي تمنحها المؤسسات التقليدية، وبذلك لم تعد الشهرة مرتبطة بالإنجاز العلمي أو السياسي أو الثقافي، وإنما أصبحت قابلة للإنتاج من خلال إدارة الحضور الرقمي، وصناعة الصورة الذاتية، وجذب انتباه الجمهور، وقد أدى ذلك إلى نشوء أنماط جديدة من التراتب الاجتماعي يكون فيها التأثير الرقمي أحد أهم مؤشرات المكانة.
ومن زاوية أخرى يقدم عالم الاجتماع الكندي إرفنغ غوفمان تفسيرا مهما لهذه الظاهرة من خلال نظريته حول ” تقديم الذات في الحياة اليومية “، فالأفراد – بحسب غوفمان – يتعاملون مع الحياة الاجتماعية كما لو كانت مسرحا يسعى فيه كل شخص إلى إدارة الانطباعات التي يتركها لدى الآخرين وقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي لهذه العملية بعدا غير مسبوق، إذ أصبح المؤثر قادرا على تصميم هويته الرقمية بعناية، واختيار ما يعرضه من تفاصيل حياته، وصناعة صورة مثالية تستهدف كسب الثقة والإعجاب.
ولذلك فإن الجمهور لا يتفاعل مع الشخص الحقيقي دائما بل مع صورة اجتماعية جرى إنتاجها بعناية وفق استراتيجيات التسويق الشخصي وإدارة السمعة الرقمية، الأمر الذي يجعل النجومية الرقمية عملية اجتماعية مركبة أكثر من كونها انعكاسا مباشرا للواقع.
وفي السياق نفسه يوضح عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز أن المجتمع المعاصر انتقل إلى ما يسميه ” المجتمع الشبكي ” حيث أصبحت شبكات الاتصال هي الإطار الرئيسي الذي تمارس داخله السلطة ويعاد إنتاج النفوذ الاجتماعي والثقافي، وفي هذا المجتمع لم تعد السيطرة مرتبطة بامتلاك المؤسسات التقليدية، وإنما بالقدرة على إدارة تدفق المعلومات وجذب الانتباه داخل الشبكات الرقمية.
ومن هنا يتحول المؤثر الرقمي إلى فاعل اجتماعي يمتلك سلطة رمزية قادرة على التأثير في الرأي العام، وتوجيه السلوك الاستهلاكي، وصناعة الاتجاهات الثقافية، بل وحتى التأثير في المواقف السياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل منصات التواصل فضاءات لإعادة تشكيل البناء الاجتماعي بصورة مستمرة.
وقد قدمت الباحثة الأمريكية Alice Marwick تحليلا عميقا لهذه الظاهرة موضحة أن الشهرة في العصر الرقمي لم تعد امتيازا يقتصر على الفنانين أو الشخصيات العامة، بل أصبحت نتيجة لإدارة الهوية الشخصية بوصفها “علامة تجارية ” فالمؤثر لا يبيع منتجا فحسب بل يبيع نمط حياة وقيما، وصورة ذهنية، تجعل الجمهور يرتبط به عاطفيا واجتماعيا، وهو ما يمنحه قدرة متزايدة على تشكيل السلوك والاختيارات.
ومن هنا أصبحت الشهرة الرقمية جزءا من اقتصاد الانتباه حيث يتحول انتباه الجمهور إلى مورد اقتصادي ورمزي في آن واحد وتصبح المشاهدات والاعجابات والمتابعات أدوات لإنتاج النفوذ الاجتماعي وتحويله إلى مكاسب مادية وثقافية.
غير أن هذه الظاهرة لا تخلو من آثار اجتماعية عميقة إذ ساهمت في إعادة تعريف النجاح الاجتماعي، وربط الاعتراف المجتمعي بدرجة الظهور الرقمي أكثر من ربطه بالإنجاز الحقيقي، كما دفعت كثيرا من الشباب إلى بناء هوياتهم وفق منطق القبول الجماهيري والبحث المستمر عن التفاعل والإعجاب، مما أدى إلى انتشار المقارنات الاجتماعية، وتنامي النزعة الاستهلاكية، وتحول الحياة اليومية إلى مادة قابلة للعرض والتسويق.
وعليه فإن أخطر ما تفرزه ثقافة المؤثرين لا يتمثل في انتشار الشهرة بحد ذاتها وإنما في إعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية داخل الفضاء الرقمي، فالمؤثرون الذين يمتلكون رأس مال اقتصادي أو ثقافي أو شبكات اجتماعية واسعة يصبحون أكثر قدرة على مضاعفة حضورهم بينما يجد الآخرون أنفسهم خارج دوائر التأثير، بما يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي في صورة رقمية جديدة.
وتضيف الدكتورة أسماء عيسي أن ثقافة المؤثرين ليست ظاهرة إعلامية عابرة، بل تمثل تحولا سوسيولوجيا عميقا في آليات إنتاج المكانة والسلطة داخل المجتمع الرقمي، فالمؤثرون أصبحوا فاعلين اجتماعيين يسهمون في تشكيل القيم والاتجاهات وأنماط السلوك، الأمر الذي يفرض ضرورة إخضاع هذه الظاهرة للتحليل العلمي بعيدا عن الأحكام الانطباعية أو الاختزال الإعلامي.
ومن هذا المنطلق ينظر برنامج الهندسة الاجتماعية BRC إلى ثقافة المؤثرين بوصفها ظاهرة تستوجب الرصد، والتشخيص، وتحليل أنماط التأثير، وتصميم استراتيجيات تعزز الاستخدام المسؤول للنفوذ الرقمي، وتوجهه نحو بناء الوعي، وترسيخ القيم، وخدمة التنمية المجتمعية، فالهندسة الاجتماعية لا تنظر إلى التأثير الرقمي باعتباره غاية في ذاته، بل تعتبره أداة يمكن توظيفها في صناعة مجتمع أكثر وعيا، وأكثر قدرة على تحويل رأس المال الرمزي إلى رأس مال اجتماعي يخدم الإنسان والتنمية.
- مراجع يمكن الاطلاع عليها:
- Bourdieu, P. (1984). Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Harvard University Press.
- Bourdieu, P. (1986). The Forms of Capital. In J. Richardson (Ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. Greenwood Press.
- Goffman, E. (1959). The Presentation of Self in Everyday Life. Doubleday.
- Castells, M. (2010). The Rise of the Network Society (2nd ed.). Wiley-Blackwell.
- Marwick, A. E. (2013). Status Update: Celebrity, Publicity, and Branding in the Social Media Age. Yale University Press.
- Senft, T. M. (2008). Camgirls: Celebrity and Community in the Age of Social Networks. Peter Lang.
- Papacharissi, Z. (2015). Affective Publics: Sentiment, Technology, and Politics. Oxford University Press.

