استغلال المرأة عبر شبكات التسول والمخدرات : مقاربة قانونية واجتماعية…
بقلم/ الدكتورة نور محمد الكبيسي , مديرة فرع مؤسسة BRC العلمية الدولية بالاردن -برنامج النساء والمخدرات-
تعد ظاهرتا التسول والمخدرات من القضايا الاجتماعية المعقدة التي ترتبط في كثير من الأحيان بأشكال متعددة من الاستغلال الإجرامي للفئات الأكثر هشاشة في المجتمعات , وتأتي المرأة في مقدمة هذه الفئات وتشكل ضعف الحماية الاجتماعية , أو محدودية فرص التعليم والعمل, قد تجد بعض النساء أنفسهن عرضة للاستغلال من قبل شبكات إجرامية منظمة توظفهن في أعمال التسول أو في أنشطة مرتبطة بجرائم المخدرات.
وحيث أصبحت تتفاقم هذه الظاهرة في البلدان العربية لتصبح مصدر قلق للشعوب,خاصة وأنها أصبحت مهنة للكثيرين إلى جانب تطورها لاحقا إلى تشكيل عصابات تتخذ من المتسولين طريقة لجمع المال وللاتجار بالمخدرات, مستخدمين في ذلك شتى الطرق غير المشروعة .حيث أن من الناحية القانونية , فقد أولت التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية اهتماما خاصا بحماية المرأة من جيمع أشكال الاستغلال,وحيث تجرم العديد من القوانين الأفعال التي تتضمن استغلال النساء في التسول المنظم أو في جرائم المخدرات,ونظرا لما تمثله ظاهرة انتشار التسول لدى النساء من خطورة على المجتمعات على اعتبار أن المتسولات هن أمهات وزوجات,يؤثرن في تنشئة أبنائهن,الأمر الذي ينعكس بالآثار السلبية على المجتمع,فالمرأة بصفتها محور الحياة الأسرية,والأسرة محور الحياة الاجتماعية, فإن أي قضية تمسها تؤثر على عطائها وأدوارها الأسرية مما يؤثر على حياتها وتنشئة أبنائها, وفي المقابل يتم استغلال مشاعر الناس المتعاطفة مع النساء لكونهن يثرن مشاعر الشفقة والإحسان مما يزيد من تلك الظاهرة وانتشارها. وتجرم العديد من القوانين الأفعال التي تتضمن استغلال النساء في التسول المنظم أو في جرائم المخدرات,مع تشديد العقوبات على من يقود أو يدبر أو يمول هذه الشبكات الإجرامية. كما تؤكد الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الجريمة المنظمة والأتجار بالأشخاص على ضرورة توفير الحماية والدعم للضحايا , وتمكينهم من إعاة الاندماج في المجتمع.وتعتبر الجريمة من اهم التحديات التي تواجهه كل الدول,نظرا لنتائجها الوخيمة,لأنها تشكل أخطر أنماط الجرائم في العصر الحديث ومخاطرها وآثارها لا تقتصر على الدول التي ترتكب فيها فقط بل تتجاوز الحدود الإقليمية للدولة الواحدة لتشمل أقاليم دول عديدة.وحيث إن تؤثر جريمة التسول على المظهر الحضاري للبلدان والمدن, كما انها تعد مقدمة لارتكاب العديد من الجرائم ومنها انتهاك حرمة المساكن والسرقات لتصل الى جرائم الإتجار بالمخدرات وتعاطيها . ويصنف التسول في كثير من الاحيان كأحد الجرائم المنظمة عندما تكتمل أركانه بإشراف جماعات خططت لإدراته واستغلال أفراده,حيث تخرج هذه الظاهرة من كونها مجرد تصرف فردي بدافع الحاجة إلى نشاط تديره عصابات فئات مستضعفة كالنساء والأطفال . لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تطورا ملحوظا في أنماط الجريمة المنظمة,وحيث اتجهت بعض الشبكات الإجرامية إلى استغلال النساء في أعمال التسول أو في الأنشطة الإجرامية المرتبطة بالمخدرات , سواء كان من خلال النقل أو الترويج أو الاخفاء وغيرها من الأدوار التي تفرض عليهن أحيانا تحت وطأة الحاجة أو الإكراه أو الخداع , وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تستهدف المرأة باعتبارها عنصرا يمكن التأثير عليه من خلال الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية مما يجلعها ضحية للاستغلال في الأنشطة الإجرامية . أما من حيث الناحية الاجتماعية، لا يقتصر أثر هذا الاستغلال على المرأة وحدها، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع بأكمله. فالمرأة المستغلة في شبكات التسول أو المخدرات غالباً ما تعاني من التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وقد تتعرض لأشكال متعددة من العنف والإكراه والابتزاز. كما أن وجود الأطفال ضمن هذه البيئات يزيد من مخاطر انتقال أنماط الانحراف والاستغلال إلى الأجيال اللاحقة، مما يفاقم المشكلات الاجتماعية ويؤثر في الأمن المجتمعي. حيث إن ترتبط هذه الظاهرة بمجموعة من العوامل المتداخلة ,ومن أبرزها الفقر والبطالة وضعف التعليم والتفكك الأسري والعنف الأسري,فإن بعض النساء يتعرضن للاستغلال من قبل جماعات منظمة تستغل ظروفهن الإنسانية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وفي ختام مقالنا … أود أن أشير إلى أن استغلال المرأة في شبكات التسول والمخدرات ليس فقط مشكلة اجتماعية أو جنائية عابرة , بل يمثل تحديا متعددة الأبعاد حيث يمس حقوق الإنسان والأمن المجتمعي والتنمية المستدامة , حيث أن هذه الظاهرة تستغلها الشبكات الإجرامية لتحقيق مصالحها على حساب الفئات الأكثر ضعفا وهشاشة في المجتمعات . ونوصي بوضع استراتيجية شاملة تستوجب تعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية القضائية ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات البحثية من اجل الوقاية من أسباب الاستغلال ومعالجة هذه الظاهرة والحد من تفاقهمها , وأيضا يجب العمل على تحسين نوعية حياة النساء من خلال برامج توعية مختلفة , دينية , اجتماعية , اقتصادية , صحية , أن تمكين النساء وأعادة دمجهم في المجتمع من خلال تجاوز الوصمة والنظرة المجتمعية ومعالجة الآثار المترتبة على نظرة المجتمع السلبية , الدعم النفسي والاجتماعي ,والتمكين الاقتصادي والمهني,والدعم القانوني والحقوقي , حيث إن تمكين المرأة علمياً واقتصادياً واجتماعياً، وتوسيع فرص التعليم والتدريب والعمل الكريم، وتوفير بيئة قانونية تضمن الحماية والعدالة، تمثل جميعها ركائز أساسية للحد من مخاطر الاستغلال. كما أن الاستثمار في الإنسان وتعزيز قيم التضامن والمسؤولية المجتمعية يسهمان في بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة هذه الظواهر السلبية.
وعليه بناء على ما سبق ذكره … فإن مكافحة استغلال المرأة في شبكات التسول والمخدرات ليست مسؤولية جهة واحدة , بل هي مسؤولية وطنية مجتمعية مشتركة حيث تتطلب إرادة حقيقية وتعاونا مستدام من أجل حماية النساء وصون كرامهتم وتعزيز دورها كشريك فاعل في التنمية وبناء مستقبل للأجيال القادمة .

