العمل التطوعي والتمكين المجتمعي: رؤية قانونية في حماية حقوق الإنسان وتعزيز المشاركة المجتمعية (بمناسبة اليوم الدولي للعمل للخيري)

سلسلة رؤى علمية قانونية / أعداد الدكتورة نور الكبيسي

يعتبر العمل التطوعي أحد الركائز الأساسية التي تساهم في التمكين المجتمعي،حيث لا يقتصر دور التطوع على تقديم المساعدات الإنسانية فحسب، بل يمتد ليكون أداة فاعلة في تنمية المهارات، تعزيز المواطنة، ودعم الفئات الأكثر احتياجاً.و من المنظور القانوني، يتطلب هذا الحراك بيئة تشريعية تنظمه وتحميه لضمان استدامته وتحقيق أهدافه التنموية.

فيما يلي رؤية قانونية شاملة حول كيفية تنظيم العمل التطوعي لدعم التمكين المجتمعي :

يعد العمل التطوعي ركيزة أساسية ومهمة في بناء المجتمع، لما له من قيمة إنسانية كبيرة، تتمثل في العطاء بأشكاله وأنواعه المختلفة. فهو سلوك حضاري يهدف إلى نشر التماسك والتضامن الاجتماعي بين أفراد المجتمع وجماعاته ومؤسساته. والعمل التطوعي ممارسة إنسانية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بكل معاني الخير والعمل الصالح لدى مختلف المجموعات البشرية منذ القدم، إلا أنه يختلف من مجتمع إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، من حيث حجمه وشكله واتجاهاته ودوافعه.ولذلك جاء هذا المقال  محاولةً لرصد دور العمل التطوعي في تنمية المجتمع، والوقوف على مدى إسهامه في تعزيز التماسك والتضامن والمشاركة المجتمعية وحماية حقوق الأنسان .وحيث تمثل قضية العمل التطوعي إحدى أهم القضايا التي أصبحت تحتل مكانة بارزة في العلوم الاجتماعية والفكر الاجتماعي المعاصر، وخاصةً نتيجة لما يمر به العالم اليوم من تحولات وتغيرات جعلت القطاع التطوعي يحظى باهتمام مختلف المجتمعات الدولية .وقد اكتسب العمل التطوعي أهمية خاصة في مجتمعنا العربية، كونه من أفضل الأعمال التي يقوم بها المسلم، لما يقدمه من تنمية وتقدم للمجتمع، ولأنه يأتي بدافع فعل الخير للآخرين. فهو يعد مدرسةً يتدرب فيها الفرد على تقديم مصلحة المجتمع، ويتعلم كيفية الالتزام بالعمل والحرص عليه، وكذلك يساهم في استثمار طاقات الأفراد ومهاراتهم، وتنمية أوقات فراغهم بما يفيد الآخرين.

وحيث أن تبرز أهمية العمل التطوعي كلما تقدمت المجتمعات وتعقدت العلاقات الاجتماعية داخلها، فقد أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومتطلبات الحياة المعاصرة إلى انتقال العمل التطوعي من مجرد أعمال فردية تقليدية إلى أعمال جماعية منظمة، في شكل جمعيات ومؤسسات حديثة، وفي مجالات متعددة تتناسب مع احتياجات خدمة المجتمع وتنميته.

وتكمن أهمية العمل التطوعي في كونه يجسد ثلاث وظائف رئيسية في المجتمع، وهي:

  1. تكملة العمل الحكومي عن طريق رفع مستوى الخدمة وتوسيعها.
  2. توفير خدمات جديدة ربما يصعب على الدوائر الحكومية تقديمها، وذلك لأن المؤسسات التطوعية تتسم بالسهولة واليسر في تأدية خدماتها.
  3. تأدية خدمات لا تقوم بها الدولة، فالتطوع بمثابة قوة محركة من داخل المجتمعات، وتدفعه إلى الاعتماد على جهود أعضائه وعلى موارده البشرية والمادية، لتنمية المجتمع وإشباع حاجات مواطنيه ومحاولة تحقيق التقدم والتنمية فيه.

لذلك تتضح أهمية التطوع من خلال الرؤية المتعمقة لتاريخ نظم الرعاية الاجتماعية، حيث استُخدم العمل التطوعي في غالبية مجالات الرعاية والخدمة الاجتماعية.

ومن هنا نجد أن العمل التطوعي له فوائد كثيرة على حياة الإنسان وكذلك على المجتمع، وهو سنة ربانية، وخاصة أن كثيرين ينظرون إلى أن العمل الجماعي هو الأصل في الحياة. فالشخص المتطوع يسهم في تحمل المسؤوليات في المجتمع، ويعد العمل التطوعي حاجة أساسية للمشاركة الاجتماعية، حيث يقدم الفرد خدمةً لمجتمعه، كما يمكن تصنيف العمل التطوعي على أساس أنه نوع من الممارسة الديمقراطية، حيث يحقق للأفراد المسؤولية في إدارة شؤون مجتمعهم.إضافةً إلى ذلك، يكسب العمل التطوعي الشخص العديد من القيم النبيلة، مثل الولاء والانتماء والتضامن والمسؤولية الاجتماعية والمساعدة. وأن تزايد الاهتمام الدولي بالعمل التطوعي، وتزايد أعداد المتطوعين، غالبًا ما يمثل مؤشرًا على الفوائد الكبيرة التي يحققها التطوع، ويسعى العمل التطوعي إلى تحقيق العديد من الأهداف، سواء كانت أهدافًا عامة أو أهدافًا خاصة بالنسبة للفرد والمجتمع.

وتتحدد الأهداف العامة للعمل التطوعي في الآتي:

  1. تقليل وتخفيف المشكلات التي تواجه المجتمع.
  2. المساهمة في سد العجز في بعض المجالات التي تحتاج إلى جهود المتخصصين والمهنيين.
  3. تنمية روح المشاركة في المجتمع ومواجهة السلبية.
  4. الإسهام في تسريع عملية التنمية.

أما الأهداف الخاصة للعمل التطوعي، فتتمثل في:

  1. إشباع المتطوع لإحساسه بالنجاح في القيام بعمل يقدّره الآخرون.
  2. الحصول على مكانة أفضل في المجتمع.
  3. إشباع الحاجة إلى الانتماء وتكوين علاقات اجتماعية.

وخلاصة القول، يمكن تحديد الأهداف العامة للعمل التطوعي فيما يأتي:

  1. تؤدي الجهود الدولية التطوعية إلى تعريف أفراد المجتمع بالظروف الواقعية التي تعيشها الفئات الأخرى، وتقود إلى تسهيل الفهم المشترك حول المشكلات والأحوال السيئة التي يعاني منها المجتمع، والتي يتعين عليه مواجهتها، وهذا يقود إلى التقليل من التمييز والعصبية الناتجة عن الجهل بأحوال الجماعات الأخرى في المجتمع.
  2. تربية المواطنين على الشعور بالمسؤولية الجماعية، والتجارب مع المصلحة العامة، وتعويدهم على تحقيق المسؤولية الاجتماعية ذاتيًا، وتنمية الشعور بممارسة الحياة الديمقراطية والقيادات الجماعية والشورى في أمورهم، وتحقيق التعاون فيما بينهم.
  3. استثمار الجهود الشعبية وطاقاتها وإمكاناتها الواسعة في عمليات التنمية الاجتماعية وتطور المجتمع.

 العمل التطوعي وحقوق الإنسان في المنظور الأممي

يعد العمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء وتنمية المجتمع وتعزيز التماسك الاجتماعي، لما يرسخه من قيم التضامن والانتماء والمشاركة والمسؤولية المشتركة. ولا يقتصر أثره على تقديم المساعدة، بل يمتد إلى تمكين الأفراد والمجتمعات من المشاركة الفاعلة في مواجهة التحديات وتحقيق التنمية.وحيث تؤكد الأمم المتحدة أن التطوع يمثل وسيلة لتعزيز المشاركة والتمكين والإدماج والتحول الاجتماعي، كما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وبناء مجتمعات أكثر شمولًا وقدرة على مواجهة الأزمات. وترتبط منظومة التطوع في عمل الأمم المتحدة كذلك بأحد محاورها الأساسية، وهو تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.وأن من منظور حقوق الإنسان، يسهم العمل التطوعي في تعزيز الكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز والمشاركة المجتمعية، ويدعم وصول الفئات الأكثر احتياجًا إلى الخدمات والمشاركة في صنع الحلول التي تمس حياتها. كما يتيح للأفراد أن يكونوا شركاء فاعلين في مجتمعاتهم، وليسوا مجرد متلقين للمساعدة.

وبذلك، فإن العمل التطوعي يمثل أداة عملية لتعزيز حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، من خلال:

  1. تعزيز المشاركة المجتمعية والمواطنة الفاعلة.
  2. تمكين الفئات الأكثر احتياجًا ودعم إدماجها.
  3. تعزيز المساواة والحد من التمييز والتهميش.
  4. نشر قيم التضامن والمسؤولية الاجتماعية.
  5. دعم حماية حقوق الإنسان وتعزيز التماسك والسلم المجتمعي.
  6. الإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال العمل الجماعي.

وعليه، فإن التطوع في المنظور الأممي لا ينظر إليه باعتباره عملًا خيريًا فحسب، وإنما قوة مجتمعية قائمة على التضامن والمشاركة والتمكين، ووسيلة للإسهام في حماية حقوق الإنسان وبناء مجتمع أكثر عدلًا وشمولًا واستدامة.

آثار العمل التطوعي على الفرد والمجتمع

يعد العمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتعزيز التماسك الاجتماعي، لما له من دور في ترسيخ قيم التضامن والتكافل والمسؤولية المجتمعية. كما يمثل صورة من صور المشاركة الإيجابية، ويسهم في تعزيز شعور الفرد بالانتماء وتحفيزه على الإسهام في خدمة المجتمع وتحقيق الصالح العام.ومن المنظور الحقوقي والقانوني، يسهم العمل التطوعي في دعم المشاركة المجتمعية وتعزيز قيم المساواة وعدم التمييز، وتمكين الأفراد من الإسهام في حماية الحقوق ومعالجة التحديات الاجتماعية والإنسانية. كما يحقق تكاملًا بين جهود الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد، بما يعزز التنمية المستدامة ويحد من مظاهر التهميش والعزلة الاجتماعية.وعليه، فإن العمل التطوعي لا يقتصر على تقديم الخدمات، بل يمثل ممارسةً للمواطنة الفاعلة، ووسيلةً لتعزيز حقوق الإنسان والتمكين المجتمعي وبناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالةً واستدامة.

خلاصة القول : تشير الدكتورة نور إلى أن  يشكل العمل التطوعي صورةً فاعلة من صور المشاركة المجتمعية والمواطنة الفاعلة، ويسهم في تعزيز التضامن والمساواة وعدم التمييز، ودعم حماية حقوق الإنسان وتمكين الأفراد والفئات الأكثر احتياجًا. كما يعزز الشراكة بين الفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة، بما يدعم التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي.