خلف الجدران: قراءة قانونية في حقوق السجناء ومسؤولية المجتمع في إعادة التأهيل…

إعداد: الدكتورة نور الكبيسي/ مديرة فرع مؤسسة BRC  العلمية الدولية / باحثة في القانون الدولي العام وحقوق الإنسان (سلسة رؤى علمية قانونية)

تعد حماية حقوق السجناء وإعادة تأهيلهم ركيزة أساسية لتحقيق أمن المجتمع ومنع عودتهم إلى الجريمة.لا يهدف السجن في السياسة العقابية الحديثة إلى العقاب والتعذيب، بل يسعى إلى استصلاح الأفراد وتحويلهم إلى عناصر منتجة. تقع هذه المسؤولية على عاتق المؤسسات الإصلاحية والمجتمع بمختلف مكوناته لضمان دمج السجناء بنجاح بعد الإفراج, وإن موضوع تأهيل السجناء لتسهيل إعادة إدماجهم يتطلب منا، في بداية الدراسة، الحديث عن أبعاد وفلسفة القانون المنظم للمؤسسات السجنية بصفة عامة، والشق المتعلق بتأهيل السجناء بصفة خاصة، وهو ما يجر الحديث إلى تناول الفعالية والنجاعة في قيام القانون بوظيفته على أكمل وجه. فالقاعدة القانونية تنشأ لتنظيم العلاقات داخل المجتمع، ورسم حدود السلطات والصلاحيات المخولة لكل فرد، وبيان حقوق الفرد والتزاماته، ينما تظل بقية الحقوق الأساسية مصونة في الحدود التي يقررها القانون.

ويستند هذا المبدأ إلى عدد من الصكوك الدولية، من أبرزها:

1-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، الذي أكد في مادته الأولى أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، كما حظرت المادة الخامسة التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

2-العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، الذي نص في المادة (10) على أن جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم يجب أن يُعاملوا معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الإنسان.

3-اتفاقية مناهضة التعذيب (1984)، التي أوجبت اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية لمنع التعذيب وسوء المعاملة في جميع أماكن الاحتجاز.

بالإضافة إلى أنها تتضمن تحديدًا لما قد يترتب جراء الإخلال بالمبدأ الذي أقرته. وإن إصلاح نزلاء المؤسسات السجنية وتأهيلهم لإعادة إدماجهم في المجتمع يتطلب إمكانيات وجهودًا بشرية لا حصر لها لتفريد العقاب والعلاج، وهو ما جعل البعض يصفها بمثالية العلاج والإصلاح. لذلك، يتعين التفكير بجدية في كيفية تنفيذ هذا التأهيل عن طريق التحلي بالواجب القانوني، وخلق علاقات تبادلية بين مختلف المؤسسات التي تُعنى بالتأهيل، لأنه من الصعوبة بمكان علاج المنحرفين بالوسائل والطرق المعتمدة تقليديًا في ظل التطورات التي يشهدها المنتظم الدولي. وعليه فإن الإدماج الحقيقي في المجتمع يتمثل في تأهيل السجناء وإعدادهم على المستويين التربوي و النفسي والاجتماعي, لكي يصبحون قادرين على التوافق من جديد مع ذويهم ومع الآخرين, بشكل يمكنهم من العودة إلى العيش داخل المجتمع بطريقة إيجابية دون حقد و انتقام ولا شعور بالنقص و بالتالي اندثار السجين مع ماضيه الإجرامي, و هذا لن يتحقق إلا في عدة معطيات لعل أبرزها تدعيم الرعاية اللاحقة بشكل جدي عبر إسناد هذا الدور إلى المؤسسات العامة عبر ترسانة قانونية واجبة التطبيق و كذا مؤسسات المجتمع المدني , والقطاع الخاص لتوفره على الإمكانيات اللازمة لذلك. تقوم العدالة الجنائية الحديثة على مبدأ أن العقوبة لا تحقق غايتها إلا إذا أسهمت في إصلاح الجاني ومنع عودته إلى الجريمة. ولذلك، لم تعد برامج التعليم، والتدريب المهني، والتأهيل النفسي والاجتماعي، والرعاية الصحية داخل المؤسسات الإصلاحية أنشطة ثانوية، بل أصبحت جزءًا من السياسة العقابية الحديثة.وحيث تؤكد الدراسات الجنائية أن السجين الذي يحظى ببرامج إصلاح فعالة وفرص حقيقية للتعليم والعمل يكون أقل عرضة للعودة إلى الجريمة , وحيث أن مرحلة ما بعد الإفراج تعد من أكثر المراحل حساسية في حياة السجين، إذ يجد نفسه أمام واقع جديد يفرض عليه إعادة بناء علاقاته الاجتماعية والتكيف مع متطلبات الحياة اليومية من جديد. وتزداد صعوبة هذه المرحلة بسبب النظرة السلبية التي قد يواجهها من أفراد المجتمع، فضلًا عن المشكلات الاقتصادية المتمثلة في صعوبة الحصول على فرصة عمل مناسبة، الأمر الذي قد يؤثر في استقراره النفسي والاجتماعي. ومن هنا تبرز أهمية برامج الرعاية اللاحقة، بوصفها وسيلة فعالة لمساعدة المفرج عنهم على تجاوز هذه التحديات وتعزيز فرص اندماجهم في المجتمع بصورة إيجابية, وتعد الرعاية الاجتماعية والدمج المجتمعي من أهم الوسائل التي تهدف إلى ضمان استقرار المفرج عنهم ومساعدتهم على استعادة دورهم الفاعل داخل المجتمع، وذلك من خلال تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي لهم، والعمل على تهيئة الظروف المناسبة التي تساعدهم على تجاوز العقبات التي قد تواجههم بعد الإفراج عنهم. كما يسهم الدمج المجتمعي في تعزيز ثقة المفرج عنهم بأنفسهم، وتدعيم الروابط الأسرية والاجتماعية، وتوفير فرص التعليم والتدريب والعمل، بما يحد من احتمالات العودة إلى الانحراف أو ارتكاب الجريمة مرة أخرى، ويعزز قيم التقبل والتضامن والمسؤولية الاجتماعية داخل المجتمع .ويظهر من ذلك أن العلاقة بين قواعد نيلسون مانديلا وقواعد بانكوك هي علاقة تكامل لا تعارض؛ فالأولى تضع المبادئ العامة لمعاملة جميع السجناء، بينما تضيف الثانية ضمانات خاصة تستجيب لاحتياجات النساء داخل المؤسسات الإصلاحية. ويعكس هذا التكامل تطور السياسة الجنائية الدولية نحو عدالة أكثر إنصافًا، تراعي خصوصية الفئات المختلفة دون الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.ومن ثم، فإن مواءمة التشريعات الوطنية مع هذين المرجعين الدوليين تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة إصلاحية حديثة، تُوازن بين تنفيذ العقوبة، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق إعادة التأهيل والاندماج المجتمعي، بما يسهم في الحد من العود إلى الجريمة وتعزيز الأمن المجتمعي. والحد من الوصمة الاجتماعية وإعادة الإدماج المجتمعي حيث أن تعد الوصمة الاجتماعية من أبرز التحديات التي تواجه السجين بعد الإفراج عنه، إذ غالبًا ما يجد نفسه محاطًا بنظرة سلبية تحول دون حصوله على فرصة حقيقية للعودة إلى حياته الطبيعية، سواء على المستوى الأسري أو المهني أو الاجتماعي. ولا يقتصر أثر هذه الوصمة على الفرد وحده، بل يمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، الأمر الذي قد يدفعه إلى الشعور بالعزلة والإقصاء وفقدان الثقة بالنفس.وفي هذا السياق، تؤكد قواعد نيلسون مانديلا أهمية إعداد السجين للاندماج في المجتمع منذ المراحل الأولى لتنفيذ العقوبة، من خلال توفير برامج التعليم والتدريب المهني والرعاية النفسية والاجتماعية، وتعزيز الروابط الأسرية، وتيسير التواصل مع المجتمع الخارجي.كما أولت قواعد بانكوك اهتمامًا خاصًا بالنساء السجينات، نظرًا لما تتعرض له المرأة من آثار اجتماعية ونفسية مضاعفة، لا سيما إذا كانت مسؤولة عن إعالة أسرتها أو رعاية أطفالها، وهو ما يقتضي توفير برامج متخصصة تراعي ظروفها واحتياجاتها الخاصة. 

وفي ختام مقالنا نود إن نشير إن حماية حقوق السجناء لا تمثل استثناءً من مبدأ سيادة القانون، بل تعد تطبيقًا حقيقيًا له، ذلك أن الحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الكرامة الإنسانية. كما أن نجاح السياسة الجنائية الحديثة لا يتحقق بمجرد تنفيذ العقوبة، وإنما بقدرتها على تحقيق الإصلاح وإعادة التأهيل وتعزيز فرص الاندماج المجتمعي. ومن ثم، فإن الحد من الوصمة الاجتماعية، وتوفير بيئة داعمة للسجين بعد الإفراج عنه، يشكلان ركيزة أساسية لبناء مجتمع أكثر أمنًا وعدالةً واستقرارًا.