ملخص مذكرة ماجستير البحث للطالبة نورة الرياحي/ بالمعهد العالي للتربية المختصة بتونس…

فاعلية برنامج قائم على الوساطة الفنية لتنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية المتوسطة: الفن التشكيلي نموذجًا

ملخص

تتناول هذه الدراسة دور الوساطة الفنية، وخاصة الفن التشكيلي، كمدخل تربوي حديث في تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال الحاملين لإعاقة ذهنية متوسطة. وقد سعت إلى اختبار مدى فاعلية برنامج تربوي قائم على أنشطة فنية متنوعة في تحسين قدرات التواصل والتفاعل الاجتماعي لدى هذه الفئة. اعتمدت الدراسة على منهج شبه تجريبي داخل مركز التربية المختصة،بالمغيرة  حيث تم تطبيق برنامج فني على عينة من الأطفال ، مع تقييم قبلي وبعدي لقياس التغيرات. وأظهرت النتائج تحسنًا ملحوظًا في المهارات الاجتماعية، مما يؤكد أهمية اعتماد الفنون كوسيلة تربوية فعالة في مجال التربية المختصة.

مقدمة

شهدت النظرة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية تحولًا ملحوظًا عبر التاريخ، حيث انتقلت من الإقصاء والتهميش إلى الاعتراف بحقوقهم في التعليم والتأهيل والاندماج الاجتماعي. وقد ساهم هذا التحول في بروز التربية المختصة كأحد المجالات الحيوية التي تسعى إلى تنمية قدرات هذه الفئة وفق خصوصياتها، مع التركيز على تطوير مهاراتها الحياتية والاجتماعية.

وتُعد المهارات الاجتماعية من الركائز الأساسية في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي، إذ تمكّن الفرد من التواصل مع الآخرين، وبناء العلاقات، والاندماج في المجتمع. غير أن الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية المتوسطة يعانون من قصور واضح في هذه المهارات، ما يستدعي البحث عن أساليب تربوية مبتكرة تتجاوز الطرق التقليدية، وتستجيب لاحتياجاتهم الخاصة بطريقة أكثر فاعلية.

إشكالية الدراسة وأهميتها

انطلقت هذه الدراسة من ملاحظة ميدانية داخل مركز التربية مختصة بالمغيرة ، حيث تبين أن الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية المتوسطة يعانون من ضعف في مهارات التواصل والتعاون والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى صعوبة في الالتزام بالقواعد وتحمل المسؤولية. كما لوحظ أن الطرق التربوية التقليدية لا تحقق النتائج المرجوة، بل قد تزيد من صعوبة التعلم لدى هذه الفئة.

من هنا برزت الحاجة إلى اعتماد وسائل تربوية بديلة، من بينها الوساطة الفنية، التي تعتمد على توظيف الأنشطة الفنية كوسيلة للتعلم والتعبير والتفاعل. وتكمن أهمية هذه الدراسة في كونها تسلط الضوء على دور الفن التشكيلي كأداة تربوية فعالة، خاصة في ظل قلة الدراسات العربية التي تناولت هذا المجال، مما يجعلها إضافة علمية وتطبيقية في ميدان التربية المختصة.

الإطار النظري

تستند الدراسة إلى مجموعة من المفاهيم الأساسية، في مقدمتها مفهوم الإعاقة الذهنية، التي تُعرّف بأنها قصور في الأداء العقلي والسلوك التكيفي يظهر خلال مرحلة النمو، ويؤثر على قدرة الفرد على التعلم والتفاعل الاجتماعي. وتُعد الفئة المتوسطة من الإعاقة الذهنية من الفئات القابلة للتدريب، حيث يمكنها اكتساب بعض المهارات الحياتية والاجتماعية من خلال برامج تربوية مناسبة.

كما ركزت الدراسة على مفهوم المهارات الاجتماعية، التي تشمل مجموعة من السلوكيات المكتسبة التي تمكّن الفرد من التفاعل مع الآخرين بطريقة إيجابية، مثل التواصل، والتعاون، واحترام القواعد، وتحمل المسؤولية. وتُعد هذه المهارات ضرورية لتحقيق التوافق الاجتماعي، إلا أنها لا تُكتسب بشكل تلقائي لدى الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، بل تحتاج إلى تدريب منظم وموجه.

أما الوساطة الفنية، فهي تعتمد على استخدام الفن كوسيلة تربوية وعلاجية تهدف إلى تنمية الجوانب المعرفية والانفعالية والاجتماعية لدى الطفل. ويُعتبر الفن التشكيلي، بما يتضمنه من أنشطة كالرسم والتلوين والتشكيل، من أكثر الوسائل ملائمة لهذه الفئة، لما يوفره من فرص للتعبير الحر والتفاعل الجماعي وتنمية الثقة بالنفس.

المنهجية والتدخل التربوي

اعتمدت الدراسة على منهج شبه تجريبي، حيث تم اختيار عينة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 15 و16 سنة داخل مركز التربية المختصة بالمغيرة . وقد تم تصميم برنامج تربوي قائم على الوساطة الفنية، تضمن مجموعة من الأنشطة التشكيلية مثل الرسم والتلوين والتشكيل بالطين، بهدف تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال.

تم تنفيذ البرنامج على مدى عدة أشهر، وشمل مراحل متعددة بدأت بالملاحظة والتقييم الأولي، ثم تطبيق الأنشطة الفنية بشكل تدريجي، وانتهت بالتقييم النهائي لقياس مدى تطور المهارات الاجتماعية. و قد ساهمت هذه الأنشطة في تحسين التفاعل والتعاون بين الأطفال، مع مراعاة قدراتهم واهتماماتهم.

النتائج والمناقشة

أظهرت نتائج الدراسة تحسنًا واضحًا في مستوى المهارات الاجتماعية لدى الأطفال بعد تطبيق البرنامج، حيث لوحظ تطور في قدرتهم على التواصل مع الآخرين، وزيادة في مستوى التعاون والمشاركة، إضافة إلى تحسن في احترام القواعد وتحمل المسؤولية. كما ساهمت الأنشطة الفنية في تعزيز الثقة بالنفس وتقليل الشعور بالعزلة.

وتؤكد هذه النتائج أن الوساطة الفنية تمثل بديلاً فعالًا للطرق التقليدية، حيث تعتمد على التعلم من خلال التجربة والممارسة، مما يجعلها أكثر ملائمة للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية. كما أن الطبيعة التفاعلية للفن تساعد على خلق بيئة تعليمية محفزة، تشجع الطفل على التعبير عن ذاته والتواصل مع الآخرين بشكل طبيعي.

خاتمة

تؤكد هذه الدراسة أن الوساطة الفنية، وخاصة الفن التشكيلي، تمثل مدخلًا تربويًا فعالًا في تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية المتوسطة. وقد أثبت البرنامج المعتمد قدرته على تحسين جوانب متعددة من التفاعل الاجتماعي، مما يعزز فرص اندماج هذه الفئة في المجتمع.

وعليه، توصي الدراسة بضرورة إدماج الأنشطة الفنية في برامج التربية المختصة، وتكوين المربين في هذا المجال، إضافة إلى دعم البحوث التي تستكشف دور الفنون في تنمية القدرات الاجتماعية والمعرفية لدى ذوي الإعاقة.