ندوة العنف الرقمي ضد المرأة : تفكيك البنية الاجتماعية – النفسية للهيمنة في الفضاء الرقمي

أ. د. أماني غازي جرار/ القائم بأعمال أمين عام_ منتدى الفكر العربي/ الاردن

يسعدني ويشرّفني، باسم منتدى الفكر العربي، أن أفتتح هذه الندوة العلمية الدولية التي تتناول قضية بالغة الأهمية والحساسية في عالمنا المعاصر، وهي قضية العنف الرقمي ضد المرأة وما يرتبط بها من تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والنفسية للفضاء الرقمي.

إن انعقاد هذه الندوة في هذا التوقيت يعكس وعياً علمياً متزايداً بضرورة فهم التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في طبيعة العلاقات الإنسانية وأنماط التفاعل الاجتماعي.

لقد تحوّل الفضاء الرقمي خلال العقود الأخيرة من مجرد أداة للتواصل وتبادل المعرفة إلى فضاء اجتماعي كامل تتشكل داخله الهويات والتمثلات والصراعات الرمزية. وفي هذا السياق برزت أشكال جديدة من العنف غير المرئي، ذلك العنف الذي لا يُمارس عبر القوة المادية المباشرة، بل عبر اللغة والصورة والتعليق والإقصاء الرمزي، الأمر الذي يجعل آثاره النفسية والاجتماعية عميقة ومتراكمة، خصوصاً حين يستهدف المرأة بوصفها فاعلاً اجتماعياً وثقافياً داخل هذا الفضاء.

وتؤكد اليونسكو UNESCO أن “العنف الرقمي هو عنف حقيقي” يسعى لإسكات النساء، مشددة على ضرورة كونهن آمنات في الفضاء الرقمي كما في الشارع، كجزء من حملة مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي. يهدف هذا التوجه إلى حماية النساء من التهديدات الرقمية المتنامية وضمان مشاركتهن الكاملة في الحياة العامة. 

ولعل أهم توجهات اليونسكو/الأمم المتحدة بشأن العنف الرقمي ضد المرأة ما يشير إلى أن العنف الرقمي عنف حقيقي،فلا مُبرّر للإساءة على الإنترنت، وأن النساء والفتيات لا بد أن تكن آمنات في المنزل، على الإنترنت، في الشارع، في العمل وفي المجتمع ككل، وأن العنف الرقمي يسعى إلى إسكات أصوات النساء، ولا سيما اللواتي يتمتعن بحضور عام ، فالعنف الرقمي يقيد المشاركة، ويمسّ سلامة النساء وثقتهن.

من هنا ، إسمحوا لي أن أؤكد على الخطر المتزايدفي يومنا هذا ولاسيما في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم. فالعنف الرقمي يهدد المشاركة السياسية والمهنية للنساء، خاصة الصحفيات والناشطات، مما يؤكد الحاجة للحماية، حيث أن حوالي نصف نساء وفتيات العالم يفتقرن إلى الحماية القانونية من الإساءة الرقمية. من هنا تأتي أهمية الدعوة للعمل الجاد. وأذكر هنا أن  اليونسكو UNESCO تعمل  مع الحكومات والمنصات الرقمية لتعزيز الأمان الرقمي والاهتمام بتدريس مهارات التربية الإعلامية والمعلوماتية. 

أخوتي الكرام.. إن هذه الندوة لا تسعى فقط إلى توصيف الظاهرة أو رصد مظاهرها المختلفة، بل تهدف أيضاً إلى تفكيك بنيتها السوسيولوجية والنفسية، وفهم آليات إنتاجها وإعادة إنتاجها داخل البيئة الرقمية. كما تفتح المجال أمام مقاربات علمية متعددة تجمع بين علم الاجتماع وعلم النفس والإعلام والدراسات الرقمية، بهدف الوصول إلى رؤى أكثر عمقاً تساعد في بناء بيئة رقمية أكثر إنسانية وعدلاً.

ويؤمن منتدى الفكر العربي بأن مثل هذه الحوارات العلمية تمثل خطوة أساسية في بناء وعي معرفي جماعي قادر على مواجهة التحديات الجديدة التي يفرضها العصر الرقمي، وعلى تعزيز ثقافة الاحترام والمسؤولية في الفضاءات العامة، سواء كانت مادية أم افتراضية.

وفي الختام، نتوجه بالشكر والتقدير إلى جميع القائمين على تنظيم هذه الندوة، وإلى الباحثين المشاركين فيها، متمنين أن تسهم مداخلاتهم العلمية في إغناء النقاش المعرفي حول هذه القضية المهمة.

وأعلن باسم منتدى الفكر العربي افتتاح أعمال هذه الندوة العلمية الدولية، متمنين لها التوفيق والنجاح.