سوسيولوجيا العنف الأسري: المرأة كضحية بين البناء الاجتماعي وآليات الحماية
بقلم/ الدكتورة فاكية عزاق_ الجزائر
يُعتبر العنف الأسري ضد المرأة من الظواهر الاجتماعية المتجذرة التي تتجاوز البعد الفردي لتصبح انعكاسًا لبنية اجتماعية تحكمها أنماط الهيمنة الذكورية. فهو ليس مجرد تصرف عنيف يمارَس في إطار الأسرة، بل هو نتاج علاقات اجتماعية غير متكافئة، تتعزز من خلال القيم الثقافية، والعادات، والبنية القانونية والاقتصادية. في هذا السياق، يسعى علم الاجتماع إلى تحليل العنف الأسري كظاهرة تخضع لتفسيرات بنيوية ترتبط بالسلطة، والأدوار الجندرية، والتنظيم الاجتماعي للأسرة.
العنف الأسري كظاهرة اجتماعية
العنف الأسري ضد المرأة ليس مجرد مشكلة فردية تنبع من شخصية الرجل المعتدي أو المرأة الضحية، بل هو ظاهرة مرتبطة بالنظام الاجتماعي العام. في المجتمعات التقليدية، تُنظم العلاقات الأسرية وفق نموذج أبوي يرسّخ تفوق الرجل على المرأة، ما يؤدي إلى تطبيع العنف كأداة لضبط السلوك داخل الأسرة.
من منظور سوسيولوجي، يمكن تحليل العنف الأسري ضمن إطار نظريات السلطة والصراع الاجتماعي، حيث يؤدي التفاوت في القوة بين الرجل والمرأة إلى تكريس السيطرة الذكورية، ما يجعل العنف وسيلة لإعادة إنتاج هذه الهيمنة. كما أن القيم الاجتماعية، التي تعزز مفهوم “الطاعة” للمرأة، تساهم في شرعنة العنف ضدها، وتحصرها في أدوار تقليدية تحدّ من استقلاليتها.
إضافةً إلى العوامل الثقافية، تلعب العوامل الاقتصادية دورًا هامًا في انتشار العنف الأسري. فالنساء اللواتي يعتمدن ماليًا على أزواجهن يجدن صعوبة في مقاومة العنف أو مغادرة العلاقة المؤذية، بسبب الخوف من فقدان الاستقرار المادي أو وصم المجتمع لهن كنساء منفصلات.
المرأة كضحية: بين البناء الاجتماعي وآثار العنف
تعاني النساء المعنفات من تأثيرات متعددة، تمتد من الأبعاد النفسية إلى الاجتماعية والاقتصادية. فالعنف الأسري يؤدي إلى تفاقم المشكلات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، وهو ما يؤثر على قدرتهن على ممارسة حياتهن الطبيعية. كما أن العنف قد يُسهم في عزلهن اجتماعيًا، خاصة في المجتمعات التي تلقي باللوم على المرأة بدلاً من المعتدي، مما يجعلها أكثر ترددًا في البحث عن المساعدة.
إلى جانب التأثيرات النفسية والاجتماعية، يمكن أن يكون للعنف آثار اقتصادية خطيرة. فالمرأة المعنفة قد تجد نفسها مجبرة على ترك العمل بسبب الضغط النفسي أو السيطرة الذكورية، ما يزيد من هشاشتها الاجتماعية ويجعلها أكثر اعتمادًا على المعتدي. وهذا يعكس كيف أن البناء الاجتماعي يُعيد إنتاج العنف من خلال إبقاء المرأة في دائرة التبعية الاقتصادية والاجتماعية.
البناء الاجتماعي والعوامل التي تعزز استمرار العنف
يرتبط استمرار العنف الأسري ضد المرأة بعدة عوامل اجتماعية وثقافية، يمكن تحليلها ضمن الإطار السوسيولوجي:
- التنشئة الاجتماعية والأدوار الجندرية
تتشكل أنماط العنف ضد المرأة منذ الطفولة، حيث يتم تربية الفتيات على الطاعة والخضوع، بينما يتم تلقين الفتيان مفاهيم القوة والسيطرة. هذه التنشئة الاجتماعية تؤدي إلى ترسيخ الفروق الجندرية وتعزز قبول العنف كأداة للسيطرة داخل الأسرة.
- القيم الثقافية والتبرير الاجتماعي للعنف
في بعض المجتمعات، يتم تبرير العنف الأسري من خلال موروث ثقافي يرى في الرجل “الرئيس” داخل الأسرة، ما يمنحه سلطة ضبط سلوك المرأة بطرق قد تشمل العنف. حتى عندما تتغير القوانين، تظل هذه القيم عائقًا أمام الحد من الظاهرة.
- القوانين والثغرات القانونية
رغم وجود تشريعات تجرّم العنف الأسري في العديد من الدول، إلا أن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة، مثل صعوبة إثبات العنف، وغياب الحماية الفعالة للضحايا، والتردد الاجتماعي في الإبلاغ عن المعتدين، خاصة إذا كانوا من أفراد العائلة.
- التغيرات الاجتماعية وتأثيرها على العنف
مع تغير الأدوار الاجتماعية للمرأة وزيادة مشاركتها في سوق العمل، ظهرت أنماط جديدة من العنف مرتبطة برفض بعض الرجال لفكرة استقلالية المرأة، ما يؤدي إلى تصاعد العنف كرد فعل على تهديد النظام الأبوي التقليدي.
آليات الحماية والتدخل لمواجهة العنف الأسري
لمواجهة العنف الأسري ضد المرأة، يجب تبني استراتيجيات متعددة تشمل الأبعاد القانونية، والاقتصادية، والتوعوية. ومن أبرز هذه الآليات:
- تعزيز القوانين والتشريعات
يتطلب الحد من العنف ضد المرأة تحسين القوانين المتعلقة بالعنف الأسري، مثل توفير حماية قانونية أفضل للضحايا، وتطبيق العقوبات الصارمة على المعتدين، وتوفير إجراءات تسهل على المرأة الإبلاغ دون خوف من الانتقام.
- تمكين المرأة اقتصاديًا
الاستقلال المالي هو أحد أهم العوامل التي تساعد المرأة على مغادرة العلاقة العنيفة. لذلك، يجب توفير فرص عمل للنساء، وضمان حقوقهن في الميراث، ودعم المشاريع التي تمكنهن من تحقيق الاستقلالية المالية.
- التوعية والتغيير الثقافي
يعد تغيير الخطاب الثقافي حول العنف الأسري من الضروريات لمكافحة الظاهرة. يمكن تحقيق ذلك من خلال حملات توعية تستهدف الشباب، وتروج لثقافة الاحترام والمساواة بين الجنسين، بدلاً من تكرار النماذج التقليدية للعلاقات الأسرية القائمة على السيطرة.
- تعزيز دور المجتمع المدني
يمكن للمنظمات غير الحكومية والجمعيات النسوية أن تلعب دورًا حيويًا في تقديم الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي للنساء المعنفات، إضافةً إلى الضغط من أجل تحسين التشريعات والسياسات العامة المتعلقة بحقوق المرأة.
- إدماج الرجال في جهود مكافحة العنف
لا يمكن الحد من العنف الأسري دون إشراك الرجال في التغيير الاجتماعي، من خلال حملات تثقيفية تدعو إلى تبني نماذج جديدة للرجولة تستند إلى الشراكة والمساواة بدلاً من السيطرة والعنف.
إن العنف الأسري ضد المرأة ليس مجرد فعل فردي معزول، بل هو جزء من نظام اجتماعي يعيد إنتاج التفاوتات الجندرية ويعزز الهيمنة الذكورية. ولذلك، فإن مواجهته تتطلب إصلاحات شاملة تشمل الجوانب الثقافية، والقانونية، والاقتصادية. لا يمكن تحقيق تغيير حقيقي إلا من خلال تفكيك البنى الاجتماعية التي تغذي العنف، وتعزيز ثقافة تقوم على المساواة والاحترام، بحيث تتمكن المرأة من العيش في بيئة خالية من الخوف والعنف.
