تصوير ذوي الإعاقة في الدراما العربية بين الواقع والمأمول

بقلم/ الدكتورة بشرى موسى الأقطش_ المملكة الاردنية الهامشية

إن المجتمع وحدة سلوكية أخلاقية تعكس تصرّفات الأفراد وما يؤمنون به من مبادئ وأنماط سلوكية تعكس الواقع وتجلياته. وإن ذوي الإعاقة جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الكبير، وتعدّ الدراما الضوء الذي يعكس أحوال هذه الفئة التي تشكّل جزءاً لا يستهان به من المجتمع.

وتُعدّ الدراما العربية وسيلة لإيصال الرسائل، وتصوير الأحوال والمآلات التي يعيشها ذوو الإعاقة في واقعنا. وإن كاتب أي نص درامي يعيش مع نصه، مصوّراً فيه ما يؤمن به من اعتقادات، وإنَّ تصويرَ ذوي الإعاقةِ باهتٌ، مظلومٌ، سلبيٌّ، يعكسُ الصورةَ السيئةَ لذوي الإعاقةِ، وإنَّ الدراما في هذا المجال لها أنماطٌ متعددةٌ.

النمطُ الأول: تصويرُ المعاقِ بحالةٍ تُثيرُ الشفقةَ، مُركِّزةً على الجانبِ السلبيِّ للمعاقِ، بتصويرِه بصورٍ تُنافي الحالةَ الطبيعيةَ؛ كتصويرِ المعاقِ بصورةِ شخصٍ لا يَعي ما يجري حوله، ولا يُدركُ نوعَ الطعامِ المُقدَّمِ له، ولا يستطيعُ الحركةَ في بيتِه دونَ مُعينٍ، ويأكلُ الطعامَ المتعفِّنَ أو غيرَ الناضجِ، وبحاجةٍ إلى مَن يُعينُه في كلِّ شيءٍ، بحجّةِ أنّه لا يرى ما يُنشرُ أمامه من صورٍ، وكأنّه مُغيَّبٌ عن الواقعِ.

أيُّ إجحافٍ تتعرّضُ له هذه الفئةُ؟ وأيُّ نوعٍ من النصوصِ التي يُصوِّرونها في هذه الدراما؟ وبلا أدنى شكٍّ، فإنّ هذا مُنافٍ لواقعِ حياةِ ذوي الإعاقةِ البصريةِ؛ فقوّةُ الإدراكِ لديهم قويّةٌ، ويُركِّزون على أدقِّ التفاصيلِ، فليس كلُّ شيءٍ يُرى بالعينِ الباصرةِ، بل ما يُرى بالقلبِ أعمقُ وأقربُ إلى الصحّةِ والحقيقةِ.

هذا النمطُ يُصوِّرُ المعاقَ حركيًّا بالعجزِ المطلقِ، فلا يستطيعُ القيامَ بأدنى احتياجاتِه أو متطلباتِ العيشِ، وهذا أيضًا مُنافٍ للصحةِ، ولا يمسُّ واقعَ هذه الفئةِ وحالَها المعاشَ.

نعم، حالُهم وما يُعانونَه من إعاقةٍ يتطلّبُ عونًا، لكن ليس بالصورةِ النمطيةِ السيئةِ التي تُنافي الواقعَ. فليس كلُّ ما يُشاهَدُ في الدراما صحيحًا في الواقعِ؛ إذ إنّ الدراما تُسهمُ في ترسيخِ صورٍ بائسةٍ ونمطيةٍ اتّخذها الناسُ حقائقَ.

النمطُ الثاني: التركيزُ على الإعاقةِ بحدِّ ذاتِها، لا على المعاقِ، وهذا النمطُ يعكسُ صورةً مُجرّدةً لا تعبّرُ عن الواقعِ المعاشِ؛ حيث تُصوَّرُ الإعاقاتُ على أنّها عجزٌ وضعفٌ، ويُبرَزُ الجانبُ السلبيُّ لكلِّ إعاقةٍ. فالإعاقةُ الحركيةُ مثلًا تُقدَّمُ على أنّها عجزٌ، والإعاقةُ البصريةُ على أنّها ضعفٌ، وهذه الصورُ تُثيرُ العاطفةَ بشكلٍ مُخلٍّ وغيرِ منضبطٍ.

لا نُنكرُ أنّ الإعاقةَ تُعيقُ صاحبَها، لكن ليس بالتصويرِ النمطيِّ الذي تقدّمه الدراما؛ فهذه الصورُ تُثيرُ العاطفةَ المجرّدةَ دون تقديمِ حلولٍ تخدمُ ذوي الإعاقةِ وتُسهمُ في تخطّي الصعوباتِ التي يواجهونها، فهي صورٌ مُجرّدةٌ للإعاقةِ لا لذوي الإعاقةِ أنفسِهم.

النمطُ الثالث: تسليطُ الضوءِ في المشاهدِ التمثيليةِ على ذوي الإعاقةِ بوصفِهم أفرادًا خارقينَ للعادةِ، أبطالًا لا يتأثّرونَ بالواقعِ، ولا تُشكِّلُ لهم الإعاقةُ أيَّ تحدٍّ يُذكرُ. وهذا النمطُ مُنافٍ للواقعِ؛ فلكلِّ إعاقةٍ تحدٍّ وصعوبةٌ لا يمكنُ إنكارُهما، ولكلِّ إعاقةٍ احتياجاتٌ خاصةٌ تتطلّبُ دعمَ الأصحّاء لذوي الإعاقةِ.

النمط الرابع: تصوير المشاهد الدرامية بناءً على نوع الإعاقة المرتبطة بالشخصية، وبصورة شيطانية؛ حيث يتم تصوير الأفراد المرافقين لذوي الإعاقة على أنهم شياطين أو أشرار، أو تصوير المعاق وكأنه شخص ناقم على حياته، حاقد على المجتمع ومن حوله، لا يستطيع تجاوز إعاقته بسهولة.
وهذا التصوير يعكس خطرًا يدمّر المجتمع؛ فإن كان المعاق حاقدًا على مجتمعه، فكيف سيتم تقديم المساعدة أو العون له؟ كما يتم تصوير العائلة على أنها تستغل نقاط الضعف بصورة لا إنسانية، بلا وعي كافٍ، تظهر فيها الشيطنة بأفكار غريبة تنزع الإنسانية من هذه المشاهد انتزاعًا، وتبقى صورة المعاق بائسة، مثيرة للشفقة والعاطفة.

ويبقى هذا الباب مفتوحًا للنقاش، ومثارًا للجدل الكبير؛ فهذه الأنماط غير منصفة، يغيب فيها الوعي المجتمعي، وتغيب عنها معالم الإنسانية والإنسان السوي. وهو تصوير غير عادل، لا يؤمن بالمساواة، ولا بإعطاء كل ذي حق حقه، وواقع مؤسف يدعو إلى إعادة هيكلة هذه الأنماط اللاإنسانية.

أما المأمول، فإننا نأمل أن تعكس الدراما صورة طبيعية إنسانية، تُحكم بسيناريوهات أقرب إلى الواقع؛ فلا نريد صورة خارقة للعادة، ولا صورة مثيرة للشفقة. إن الوسطية والاعتدال في الطرح تجعل الصورة أقرب وصولًا إلى المشاهد.

وإن مشاركة ذوي الإعاقة في إنتاج النص وصناعته إعلاميًا سيكون لها الأثر الأكبر، وستكون أكثر إنصافًا؛ فلنُسلّط الضوء على الكتّاب من ذوي الإعاقة، ونستمع إلى آرائهم التي تنهض بالنص الدرامي إلى الأفضل. ونأمل بتسليط الضوء في المشاهد المصوّرة على الصور المشرقة التي تحدّت، وجابهت، وحققت أهدافًا، ونهضت بمشاريع ترتقي بمجتمعاتنا نحو الأفضل.

ما نطمح إليه هو مشاهد توعوية تبيّن احتياجات كل إعاقة؛ فما يحتاجه الكفيف يختلف عمّا يحتاجه الأصم. ولا ننكر وجود محاولات إعلامية، لكنها قليلة جدًا، ولا ترقى إلى المستوى المطلوب. نأمل بتبنّي مشاريع متكافئة لصناعة نصوص إعلامية أكثر أثرًا، تسهم في بناء النص ومكوناته، مع إبراز قصص النجاح وترجمتها إلى واقع معاش ونصوص إعلامية ومشاهد تصويرية.

إن الصورة النمطية المتعارف عليها في واقعنا غير مقبولة، وهذه الأنماط المطروحة تُخجل ذوي الإعاقة، وتكسر طموحاتهم، وتنزع منهم الشغف انتزاعًا. نأمل أن نرى مشاهد تشحذ الهمم، وتنهض بالإرادة، وتهدم الصعاب، وتزيل العقبات، لا نصوصًا محبِطة كاسرة للإرادة.

كلمات كُتبت بقلم يطمح إلى الأفضل في واقع مليء بالعثرات؛ قلم يصوّر الألم، وتبقى بارقة الأمل تلوح من بعيد، باقتراب وصول الصوت إلى المسؤولين. لن نيأس، وسنبقى ننادي بأعلى صوت: أين إنسانية الإنسان؟ أين الحقوق الضائعة؟
لن نسمح لليأس أن يدخل القلوب، ورسالة إصلاح واقع ذوي الإعاقة ستبقى نصب أعيننا، فالأقرب إلى الحال أولى أن يُسمع رأيه. وسيبقى نور التغيير نحو الأفضل طموحًا لا يُستهان به، نطمح إلى بزوغ ضوء الأمل في واقع سليم، معافى من أي صورة نمطية مخلّة. فالتغيير يبدأ بخطوة، وما نقدّمه خطوة في بداية صناعة إعلامية مشرفة نطمح إليها.