المرأة في المجتمع المدني: جسر تواصل حيوي بين الشعب والدولة ومحرك رئيسي للتنمية

بقلم/ الدكتورة اولادسالم نسيمة_ باحثة في القضايا السكانية والتخطيط التنموي_ الجزائر

في خضم التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، برزت أهمية المجتمع المدني كفضاء حيوي للمشاركة والتأثير في صناعة القرار. وفي قلب هذا الفضاء، تقف المرأة كفاعل أساسي يتمتع بقدرات تنظيمية وتواصلية فريدة تؤهلها لأن تكون حلقة وصل فعّالة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. إن دراسة دور المرأة في المجتمع المدني لا يمثل فقط اعترافاً بحقوقها الإنسانية والوطنية، بل يعكس أيضا وعيا عميقا بالإمكانات الهائلة التي يمكن استثمارها لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

تتجاوز مشاركة المرأة في المجتمع المدني الأطر التقليدية للعمل التطوعي والخيري، لتمتد إلى مساحات أوسع من العمل المؤسسي المنظم الذي يستهدف التأثير في السياسات العامة وتعزيز الحكم الرشيد. وفق نظرية رأس المال الاجتماعي التي طورها روبرت بوتنام، فإن الشبكات الاجتماعية التي تنسجها النساء تسهم في بناء الثقة المجتمعية وتعزيز قيم التعاون والتضامن، مما يخلق أرضية صلبة للعمل المشترك نحو تحقيق الأهداف التنموية.

تشير الدراسات الحديثة في علم الاجتماع السياسي إلى أن المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة مشاركة المرأة في مؤسسات المجتمع المدني تتميز بمعدلات أعلى من الشفافية والمساءلة في العمل الحكومي، وقدرة أكبر على الصمود في وجه الأزمات. إن هذا الارتباط ليس عرضياً، بل يعكس الدور المحوري الذي تلعبه المرأة في تجسير الفجوة بين المواطنين وصناع القرار، وتحويل المطالب المجتمعية إلى مخططات عمل قابلة للتنفيذ.

وعليه، سنتناول ثلاثة محاور أساسية تشكل في مجملها إطارا متكاملا لفهم مكانة المرأة في المجتمع المدني، وأثر هذه المكانة على العلاقة بين الدولة والمجتمع، ودورها في دفع عجلة التنمية. سنستند في تحليلنا إلى دراسات ميدانية حديثة وإلى أطر نظرية معاصرة تتيح لنا استيعاب هذه الظاهرة المعقدة في سياقاتها المختلفة.

المحور الأول: المرأة كمنسقة للحوار المجتمعي وبناء التوافقات

تمتلك المرأة قدرات فريدة في بناء الجسور بين مختلف مكونات المجتمع، وهي مهارة تكتسب أهمية استثنائية في ظل التعددية الثقافية والاجتماعية التي تميز المجتمعات المعاصرة. يمكن تفسير هذه القدرة من خلال ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”الذكاء العاطفي الجمعي”، وهو مفهوم طوره عالم النفس دانيال جولمان ليشير إلى القدرة على قراءة المشاعر الجماعية وتوجيهها نحو أهداف بناءة.

في دراسة أجرتها جامعة هارفارد حول ديناميكيات صنع القرار الجماعي، تبين أن المجموعات التي تقودها نساء أو تشكل النساء نسبة معتبرة فيها كانت أكثر قدرة على تجاوز الاستقطابات والوصول إلى حلول توافقية. هذه النتيجة ليست مفاجئة إذا أخذنا في الاعتبار أن النساء غالباً ما يتبنين أنماطا قيادية تعتمد على التشاور والإشراك والتمكين، بدلاً من أنماط السيطرة والهيمنة؛ عندما تتولى المرأة دوراً قيادياً في منظمات المجتمع المدني، فإنها تميل إلى إنشاء فضاءات آمنة للحوار تتسم بالشمولية والاحترام المتبادل. هذه الفضاءات تتيح للأصوات المهمشة أن تُسمع، وللمطالب الملحة أن تصاغ بطريقة منظمة وبناءة. من خلال هذا النهج التشاركي، تسهم المرأة في تعزيز الديمقراطية التداولية التي تقوم على مبدأ أن القرارات السياسية يجب أن تنبثق من حوار عام شامل يشارك فيه جميع المعنيين.

لقد أظهرت تجارب عديدة من مختلف أنحاء العالم كيف استطاعت المنظمات النسائية أن تلعب دوراً محورياً في حل النزاعات المجتمعية وبناء السلام المحلي. في رواندا مثلاً، كان للمنظمات النسائية دور بارز في عملية المصالحة الوطنية بعد الإبادة الجماعية، حيث نجحت في خلق مساحات للحوار بين الضحايا والجناة، وساهمت في إعادة نسج النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب.

المحور الثاني: المرأة كمترجمة لاحتياجات المجتمع إلى سياسات عامة

تتميز منظمات المجتمع المدني التي تقودها نساء أو تكون النساء فاعلات فيها بقدرتها على التقاط الاحتياجات الحقيقية للمجتمع وترجمتها إلى مطالب سياسية محددة وواضحة. هذه القدرة تنبع من الارتباط الوثيق بين النساء والمجتمعات المحلية، حيث غالباً ما تكون المرأة أكثر إدراكاً للتحديات اليومية التي تواجه الأسر والمجتمعات، سواء في مجالات الصحة أو التعليم أو الغذاء أو الأمن؛ فوفقا لنظرية “الاقتصاد المعرفي للسياسات العامة” التي طورها فرانك فيشر، فإن صناعة السياسات الفعالة تتطلب التكامل بين المعرفة التقنية التي يمتلكها الخبراء والمعرفة العملية التي يمتلكها المواطنون. وهنا يبرز دور المرأة في المجتمع المدني كجسر يربط بين هذين النوعين من المعرفة، حيث تنقل تجارب المواطنين وقصصهم إلى صناع القرار بطريقة منظمة ومقنعة.

تُظهر دراسة أجرتها الأمم المتحدة أن البلدان التي تتمتع بمستويات أعلى من المشاركة النسائية في عمليات صنع السياسات العامة، سواء بشكل مباشر أو من خلال منظمات المجتمع المدني، تميل إلى تبني سياسات أكثر استجابة لاحتياجات الفئات المهمشة وأكثر استدامة على المدى الطويل. هذا لا يعني فقط سياسات تستهدف النساء والفتيات، بل يشمل أيضاً سياسات أوسع تتعلق بالصحة العامة والتعليم والبيئة والاقتصاد.

مثال على ذلك ما حدث في مدينة بورتو أليغري البرازيلية، حيث لعبت منظمات نسائية دوراً محورياً في تطوير نموذج الموازنة التشاركية الذي أصبح نموذجاً عالمياً للديمقراطية المحلية. من خلال حشد المجتمعات المحلية والتواصل المستمر مع صناع القرار، استطاعت هذه المنظمات ضمان توجيه الموارد العامة نحو الاحتياجات الملحة للمواطنين، مما أدى إلى تحسن ملحوظ في مؤشرات التنمية البشرية في المدينة.

المحور الثالث: المرأة كمحرك للابتكار الاجتماعي والتنمية المستدامة

يشهد العالم اليوم تحولاً في فهم التنمية من المفهوم الضيق الذي يركز على النمو الاقتصادي، إلى مفهوم أوسع يشمل التنمية البشرية والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية. في هذا السياق، يبرز دور المرأة في المجتمع المدني كمحرك للابتكار الاجتماعي الذي يسعى إلى إيجاد حلول خلاقة ومستدامة للتحديات المجتمعية.

تميل المبادرات التي تقودها نساء إلى تبني نهج متكامل للتنمية يأخذ في الاعتبار الترابط بين مختلف أبعاد الحياة البشرية. فمثلاً، عندما تطلق منظمة نسائية مشروعاً للتمكين الاقتصادي، فإنها غالباً ما تدمج فيه عناصر تتعلق بالتعليم والصحة والبيئة والمشاركة المدنية، مما يجعل المشروع أكثر استدامة وتأثيراً؛ في دراسة نشرتها مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي عام 2023، تبين أن 60% من المشاريع الاجتماعية الرائدة حول العالم كانت بقيادة نساء أو مؤسسات نسائية. هذه المشاريع تميزت بقدرتها على إحداث تغيير إيجابي ملموس في حياة المجتمعات، وبكفاءتها في استخدام الموارد المتاحة، وبقدرتها على الاستمرار والتوسع.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك حركة “الحزام الأخضر” التي أسستها وانجاريماثاي في كينيا، والتي جمعت بين حماية البيئة والتمكين الاقتصادي للنساء ومقاومة الفساد. استطاعت هذه الحركة، من خلال شبكة واسعة من المتطوعات، زراعة أكثر من 50 مليون شجرة، وتحسين سبل العيش للآلاف من الأسر، والضغط من أجل تغييرات سياسية وتشريعية عميقة.

كما تجدر الإشارة إلى دور المرأة في اقتصاد الرعاية، وهو قطاع حيوي يشمل رعاية الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. لطالما كانت المرأة العمود الفقري لهذا القطاع، سواء بشكل مدفوع أو غير مدفوع الأجر. ومن خلال منظمات المجتمع المدني، استطاعت النساء المطالبة بالاعتراف بقيمة هذا العمل، وتطوير نماذج مبتكرة للرعاية تجمع بين الجودة والإنصاف والاستدامة.

اهم التوصيات:انطلاقا مما سبق، نلخص اهم  التوصيات في النقاط التالية:

  • تمكين القيادات النسائية: من خلال برامج بناء القدرات التي تستهدف تعزيز مهارات القيادة والتفاوض والتخطيط الاستراتيجي لدى النساء الناشطات في المجتمع المدني.
  • تعزيز الشراكة بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني النسائية: عبر إنشاء آليات مؤسسية للتشاور المنتظم والمشاركة في صنع السياسات العامة.
  • تطوير إطار قانوني داعم: يضمن حرية تكوين الجمعيات واستقلاليتها، ويسهل وصولها إلى التمويل والموارد اللازمة لعملها.
  • إدماج منظور النوع الاجتماعي: في جميع السياسات والبرامج التنموية، بما يضمن الاستجابة لاحتياجات النساء والفتيات ويعزز المساواة الجندرية.
  • تشجيع البحث العلمي: حول دور المرأة في المجتمع المدني، وتأثير هذا الدور على التنمية والحكم الرشيد، بهدف توثيق التجارب الناجحة وتطوير نماذج مبتكرة للعمل.
  • تعزيز الشبكات والتحالفات: بين المنظمات النسائية على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، بما يسمح بتبادل الخبرات والتجارب وتعزيز التضامن.
  • توفير حماية قانونية وأمنية: للمدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات في المجتمع المدني، في مواجهة التهديدات والمضايقات التي قد يتعرضن لها.

خاتمة

إن تعزيز دور المرأة في المجتمع المدني ليس مجرد قضية عدالة جندرية، بل هو ضرورة تنموية ملحة. فالمرأة، بما تملكه من قدرات فريدة في بناء الجسور والتنسيق والابتكار، تشكل عنصراً حاسماً في معادلة التنمية المستدامة وتعزيز الحكم الرشيد. ومع ذلك، ما زالت المرأة تواجه عقبات عديدة تحد من مشاركتها الكاملة والفعالة في الحياة العامة، من بينها الموروثات الثقافية والقيود القانونية والتمييز الاقتصادي.