الكرامة الإنسانية كأساس للحوكمة الإقليمية المتكاملة للهجرة والعودة الكريمة الآمنة والمستدامة
الأستاذة الدكتورة أماني غازي جرار/ مساعد أمين عام منتدى الفكر العربي / لشؤون التطوير والبحث والدراسات/ الاردن
لم تعد الهجرة غير المنتظمة ظاهرةً عابرةً يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية ظرفية أو معالجات قانونية جزئية، بل أضحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدول والنظم الإقليمية على الموازنة بين مقتضيات السيادة ومتطلبات الكرامة الإنسانية. ففي سياق عالمي يتسم بتسارع الأزمات، وتفاقم الفجوات التنموية، وتصاعد النزاعات المسلحة، تتحول الهجرة إلى تعبير مركب عن اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وليس مجرد حركة انتقال جغرافي من مكان إلى آخر. ومن هنا، فإن أي مقاربة جادة لهذا الملف لا يمكن أن تنطلق من منطق الردع وحده، ولا من هاجس الضبط الحدودي فحسب، بل من إعادة تموضع الإنسان في قلب معادلة الحوكمة.
إن الكرامة الإنسانية ليست شعاراً أخلاقياً مجرداً، بل هي مبدأ تأسيسي يفرض إعادة صياغة السياسات العامة ضمن إطار إقليمي متكامل، يعترف بحق الإنسان في الحماية، ويصون حقوقه الأساسية، ويضمن له مسارات آمنة ومنظمة، سواء في بلد العبور أو المقصد أو عند العودة. وعندما تُتخذ الكرامة مرجعية معيارية عليا، فإن مفهوم الحوكمة ذاته يتغير؛ إذ ينتقل من إدارة التدفقات إلى إدارة الأسباب، ومن معالجة النتائج إلى تفكيك البنى المنتجة للهشاشة، ومن التنسيق الثنائي المحدود إلى التعاون الإقليمي المؤسسي المستدام.
وتبرز الحاجة إلى حوكمة إقليمية متكاملة بوصفها استجابة عقلانية لتعقّد الظاهرة وتشابكها العابر للحدود. فالهجرة لا تعترف بالخطوط السياسية، ولا يمكن احتواؤها بقرارات وطنية منفردة. ومن ثم، فإن بناء منظومة تعاون إقليمي تقوم على تبادل البيانات، وتنسيق السياسات، وتكامل الأدوار، يُعد شرطاً لازماً لتحويل الهجرة من أزمة مستمرة إلى ملف قابل للإدارة الرشيدة. وفي قلب هذه المنظومة، يجب أن تتقدم فكرة العودة الكريمة الآمنة والمستدامة، لا باعتبارها إجراءً إدارياً لإنهاء الإقامة، بل بوصفها مساراً إنسانياً يضمن إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، ويحفظ الحقوق، ويعزز الاستقرار في مجتمعات الأصل.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تشديد القيود، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمهاجر على أساس من الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة. فحين تُبنى السياسات على الكرامة، تصبح الحوكمة أكثر شرعية، والتعاون الإقليمي أكثر فاعلية، والعودة أكثر استدامة. ومن هذا المنطلق، تتأسس الحاجة إلى رؤية شاملة تُعيد وصل الأمن بالإنسان، والسيادة بالتكامل، والإدارة بالعدالة، في إطار إقليمي قادر على تحويل التحدي إلى فرصة لبناء نظام أكثر إنصافاً واستقراراً.
المقاربة المعيارية الأخلاقية: الكرامة الإنسانية كمرجعية عليا لصياغة سياسات الهجرة والعودة
تنطلق المقاربة المعيارية الأخلاقية من افتراض جوهري مفاده أن الكرامة الإنسانية ليست قيمة مضافة إلى السياسات، بل هي الأصل الذي ينبغي أن تُبنى عليه. فالهجرة، سواء كانت نظامية أو غير منتظمة، لا تمثل مجرد حركة انتقال جغرافي، بل تعكس حالة إنسانية مركبة تتقاطع فيها دوافع البقاء والأمن والبحث عن الفرص مع هشاشة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية. وعليه، فإن أي حوكمة إقليمية تتجاهل هذا البعد تتحول إلى إدارة تقنية للأزمة، لا إلى معالجة عادلة ومستدامة لها.
تُعيد هذه المقاربة تعريف موقع المهاجر في المنظومة السياسية والقانونية؛ فهو ليس رقماً في إحصائية أمنية، ولا ملفاً إدارياً قابلاً للإغلاق، بل إنسان يتمتع بحقوق غير قابلة للتجزئة. ومن هنا يصبح إدماج المعايير الحقوقية في جميع مراحل إدارة الهجرة شرطاً لازماً، بدءاً من آليات الاستقبال والتحقق، مروراً بإجراءات الإقامة أو العبور، وانتهاءً ببرامج العودة وإعادة الإدماج. إن الكرامة، بوصفها مرجعية معيارية عليا، تفرض أن تكون الإجراءات شفافة، عادلة، خالية من التمييز، وقابلة للطعن والمراجعة القضائية.
وتقتضي المقاربة الأخلاقية كذلك إعادة النظر في الخطاب العام المصاحب لسياسات الهجرة. فحين يُختزل المهاجر في صورة تهديد أمني، يُنتج ذلك مناخاً اجتماعياً يغذي الإقصاء والوصم، ويُضعف قابلية المجتمع لتقبل سياسات إنسانية متوازنة. أما حين يُعاد تقديم الهجرة بوصفها ظاهرة إنسانية لها أسباب بنيوية، فإن النقاش ينتقل من منطق التخويف إلى منطق الفهم والتحليل. وهنا تبرز أهمية المسؤولية الإعلامية والتربوية في دعم مقاربة قائمة على احترام الإنسان لا على شيطنته.
وفي إطار العودة الكريمة الآمنة والمستدامة، تشدد المقاربة المعيارية على أن العودة لا تكون إنسانية إلا إذا توافرت ثلاثة شروط مترابطة: الأمان، والاختيار الحر، وإمكانية إعادة الإدماج. فالعودة القسرية التي تتم في بيئة غير مستقرة أو دون ضمانات اجتماعية واقتصادية كافية لا تحقق الكرامة، بل تعيد إنتاج دوائر الهشاشة التي دفعت إلى الهجرة أصلاً. ولذلك ينبغي أن ترتبط سياسات العودة ببرامج دعم اقتصادي ونفسي واجتماعي، تُمكّن العائد من استعادة مكانته وفاعليته في مجتمعه.
كما تدعو هذه المقاربة إلى تبني مبدأ المسؤولية المشتركة بين الدول، على أساس أن حماية الكرامة لا يمكن أن تكون عبئاً تتحمله دولة بعينها. فالتضامن الإقليمي في تقاسم الأدوار والموارد يعكس فهماً أخلاقياً عابراً للحدود، ويُجسد تحولاً من منطق الإلقاء بالمسؤولية إلى منطق الشراكة. وفي هذا السياق، تصبح الاتفاقيات الإقليمية أداة لترسيخ معايير موحدة تضمن الحد الأدنى من الحماية، وتمنع التفاوت في المعاملة الذي قد يدفع المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة.
إن المقاربة المعيارية الأخلاقية لا تتعارض مع مقتضيات الأمن أو السيادة، بل تعيد تأطيرهما ضمن إطار إنساني أوسع. فالأمن الحقيقي لا يتحقق عبر إقصاء الإنسان، بل عبر إدماجه ضمن منظومة قانونية عادلة تحترم حقوقه وتحدد مسؤولياته. والسيادة لا تُختزل في السيطرة على الحدود، بل تتجلى أيضاً في قدرة الدولة على إدارة التنوع والحركة البشرية وفق معايير العدالة والشفافية.
وبذلك، فإن اعتماد الكرامة الإنسانية كمرتكز تأسيسي للحوكمة الإقليمية يعني الانتقال من إدارة الهجرة بوصفها أزمة مؤقتة إلى إدارتها كمسألة أخلاقية وسياسية طويلة المدى. إنها دعوة إلى بناء سياسات لا تكتفي بتقليل المخاطر، بل تسعى إلى صون الإنسان في جميع المراحل، وتحويل ملف الهجرة من ساحة توتر إلى مجال لتعزيز الشرعية الأخلاقية للنظام الإقليمي بأسره.
المقاربة المؤسسية التكاملية: حوكمة إقليمية متعددة المستويات لإدارة ملفات الهجرة والعودة
تنطلق المقاربة المؤسسية التكاملية من إدراك أن الهجرة غير المنتظمة ليست ظاهرة وطنية يمكن احتواؤها بأدوات داخلية منفردة، بل هي دينامية عابرة للحدود تتشابك فيها أبعاد أمنية واقتصادية وقانونية وإنسانية. ولذلك فإن معالجتها تتطلب إطاراً حوكميّاً إقليمياً يتجاوز منطق التنسيق العرضي إلى بناء منظومة مؤسسية دائمة تقوم على التكامل وتوزيع الأدوار والالتزام المتبادل.
تقوم هذه المقاربة على مبدأ تعدد المستويات في الحوكمة، حيث تتكامل الأطر الوطنية مع الأطر الإقليمية ضمن شبكة تنظيمية مترابطة. فالدولة تحتفظ بسيادتها في إدارة حدودها، لكنها تندمج في منظومة تعاون تسمح بتوحيد المعايير القانونية، وتبادل البيانات، وتنسيق الإجراءات. هذا التداخل الإيجابي بين المستويين الوطني والإقليمي يمنع التضارب في السياسات، ويحد من الثغرات التي تستغلها شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
ومن أهم مرتكزات هذه المقاربة إنشاء آليات تنسيق إقليمية مؤسسية ذات طابع دائم، مثل منصات تبادل المعلومات، ومراكز تحليل مشتركة، وأطر قانونية موحدة تحدد معايير الاستقبال، والإقامة، والعودة. فغياب التنسيق يؤدي إلى انتقال الضغوط من دولة إلى أخرى، بينما يتيح التكامل توزيع المسؤوليات بطريقة عادلة ومنظمة. كما يسهم تبادل البيانات الدقيقة في بناء سياسات قائمة على الأدلة، لا على التقديرات أو ردود الفعل الآنية.
وتشدد المقاربة المؤسسية على ضرورة توحيد أو تقارب المعايير الإجرائية بين الدول الإقليمية، بما يضمن الحد الأدنى من الحماية للمهاجرين ويقلل من التباينات التي قد تدفعهم إلى مسارات أكثر خطورة. فعندما تختلف سياسات المعاملة أو شروط الإقامة بصورة حادة، تنشأ فجوات تنظيمية تزيد من تعقيد الظاهرة. أما التقارب التشريعي والإجرائي فيسهم في خلق بيئة أكثر استقراراً وقابلية للإدارة.
كما تتطلب الحوكمة المتكاملة إشراك أطراف متعددة في عملية صنع القرار، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، والجهات القضائية، ووزارات التنمية والعمل، ومنظمات المجتمع المدني. فالهجرة ليست ملفاً أمنياً خالصاً، بل هي قضية تتداخل فيها فرص العمل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية. ومن ثم فإن التنسيق الأفقي داخل الدولة يجب أن يقابله تنسيق عمودي مع الشركاء الإقليميين، بما يعزز الاتساق والفاعلية.
وفي ما يتعلق بالعودة الكريمة الآمنة والمستدامة، تؤكد هذه المقاربة أن نجاح برامج العودة يعتمد على التعاون المؤسسي بين دول المصدر والعبور والمقصد. فلا يمكن تحقيق إعادة إدماج فعّالة دون شراكات واضحة تحدد المسؤوليات والموارد وآليات المتابعة. ويشمل ذلك الاتفاق على برامج دعم اقتصادي، وتبادل المعلومات بشأن أوضاع العائدين، وضمان عدم تعرضهم لمخاطر جديدة عند العودة.
إن المقاربة المؤسسية التكاملية تنقل إدارة الهجرة من منطق الاستجابة الطارئة إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فهي تسعى إلى بناء نظام إقليمي قادر على الاستباق والتحليل والتكيف مع التحولات، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل. وبهذا المعنى، تصبح الحوكمة الإقليمية إطاراً لإنتاج الاستقرار، لا مجرد وسيلة لاحتواء التحديات.
وبذلك، فإن التكامل المؤسسي لا يضعف سيادة الدول، بل يعزز قدرتها على إدارة الظاهرة بفاعلية أكبر. إذ إن التعاون المنظم والمستند إلى قواعد واضحة يخفف الأعباء، ويزيد من كفاءة الموارد، ويُرسخ الثقة المتبادلة بين الشركاء. وفي ظل تعقّد الظاهرة وتنامي ترابطها، تبدو الحوكمة الإقليمية المتكاملة خياراً عقلانياً وضرورياً لتحويل الهجرة من تحدٍ دائم إلى ملف قابل للإدارة الرشيدة.
المقاربة التنموية المستدامة: معالجة الجذور البنيوية للهجرة وضمان العودة المستدامة
تنطلق المقاربة التنموية المستدامة من قناعة أساسية مفادها أن الهجرة غير المنتظمة ليست سبباً في ذاتها، بل نتيجة لاختلالات بنيوية عميقة في مجتمعات المصدر، تتعلق بالشأن السياسي أو بضعف فرص العمل، وتراجع جودة الخدمات، وانعدام الأمان الاقتصادي، وتفاقم النزاعات أو هشاشة الحوكمة. وعليه، فإن أي استراتيجية إقليمية تكتفي بضبط الحدود أو تنظيم التدفقات دون معالجة هذه الجذور، إنما تؤجل المشكلة ولا تحلها. فالسياسات الأمنية قد تخفف من حدة الظاهرة مؤقتاً، لكنها لا تعالج دوافعها الأصلية.
ترتكز هذه المقاربة على الربط العضوي بين سياسات الهجرة وخطط التنمية الوطنية والإقليمية. فالمناطق التي تشهد معدلات مرتفعة من الهجرة غالباً ما تعاني من تهميش اقتصادي أو نقص في الاستثمارات الإنتاجية. ومن ثم، فإن الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والتدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يمثل مساراً وقائياً يحد من الضغوط الدافعة للهجرة. التنمية هنا ليست خياراً موازياً، بل أداة استراتيجية لإعادة التوازن الاجتماعي والاقتصادي.
كما تؤكد المقاربة التنموية أن العودة الكريمة لا تكتمل بمجرد إعادة الفرد إلى بلده، بل تتطلب تهيئة بيئة قادرة على استيعابه وإعادة إدماجه بصورة فعالة. فالعودة إلى سياق هش قد تدفع إلى إعادة الهجرة مجدداً، ما يخلق دوائر متكررة من عدم الاستقرار. ولذلك ينبغي أن تترافق برامج العودة مع خطط دعم اقتصادي مباشر، وفرص عمل، وإمكانية الحصول على التمويل الصغير، إضافة إلى خدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي. فإعادة الإدماج الناجحة هي الضمان الحقيقي لاستدامة العودة.
وتشدد هذه المقاربة كذلك على أهمية الشراكات التنموية بين دول المصدر والعبور والمقصد. فالهجرة ظاهرة ذات أبعاد مشتركة، ومن ثم فإن المسؤولية عن معالجتها يجب أن تكون جماعية. ويمكن أن تتخذ هذه الشراكات شكل برامج استثمار مشتركة في المناطق المصدّرة للهجرة، أو مبادرات تدريب وتأهيل للشباب، أو مشاريع تنموية عابرة للحدود تستفيد من التكامل الاقتصادي الإقليمي. إن تحويل التعاون الإقليمي من تنسيق أمني إلى شراكة تنموية يعزز الاستقرار على المدى الطويل.
ومن منظور الحوكمة، تقتضي المقاربة التنموية تبني أدوات تخطيط قائمة على البيانات والتحليل المستقبلي. ففهم الاتجاهات الديمغرافية، وحركة سوق العمل، والتحولات المناخية، يسهم في تصميم سياسات استباقية تقلل من عوامل الطرد. كما أن إدماج الهجرة ضمن استراتيجيات التنمية المستدامة يضمن اتساق السياسات ويمنع تضاربها، بحيث تصبح الهجرة جزءاً من الرؤية التنموية الشاملة لا ملفاً منفصلاً عنها.
إن المقاربة التنموية المستدامة تعيد صياغة النقاش من سؤال كيفية منع الهجرة إلى سؤال كيفية خلق بيئات جاذبة ومستقرة. فهي تنظر إلى الإنسان لا بوصفه عبئاً على الموارد، بل طاقة يمكن توجيهها وتنميتها داخل مجتمعه الأصلي. وعندما تتكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية مع الرؤية الحوكميّة الإقليمية، يصبح بالإمكان تحويل الهجرة من مسار اضطراري إلى خيار منظم وآمن.
وبذلك، فإن معالجة الأسباب البنيوية للهجرة تمثل حجر الزاوية في أي استراتيجية إقليمية شاملة. فالتنمية العادلة، وفرص العمل اللائقة، وتعزيز الحوكمة الرشيدة في دول المصدر، ليست مجرد أهداف اجتماعية، بل أدوات مباشرة لتحقيق الاستقرار الإقليمي. ومن خلال هذا المنظور، تتحول العودة الكريمة الآمنة والمستدامة من إجراء إداري إلى نتيجة طبيعية لبيئة تنموية قادرة على احتضان مواطنيها وتمكينهم من بناء مستقبلهم داخل أوطانهم.
وعليه، فإن الكرامة الإنسانية، حين تُتخذ أساساً للحوكمة الإقليمية المتكاملة للهجرة، لا تبقى قيمةً أخلاقيةً مجردة، بل تتحول إلى معيارٍ حاكمٍ يعيد ترتيب أولويات السياسات ويضبط توازنها بين الأمن والإنسان، وبين السيادة والتكامل. فالهجرة غير المنتظمة ليست اختباراً لقدرة الدول على إحكام السيطرة فحسب، بل هي امتحان لمدى التزامها بمبادئ العدالة والإنصاف والمسؤولية المشتركة. ومن هنا، فإن بناء استراتيجية إقليمية شاملة يتطلب الجمع بين مرجعية أخلاقية واضحة، وتكامل مؤسسي فعّال، ورؤية تنموية مستدامة تعالج الجذور قبل النتائج.
لقد أظهرت التجارب أن المعالجات الجزئية تُنتج حلولاً مؤقتة، وأن المقاربات المنفصلة تُراكم التحديات بدلاً من احتوائها. أما حين تُبنى الحوكمة على قاعدة الكرامة، وتُدار عبر مؤسسات منسقة، وتُعزَّز باستثمارات تنموية حقيقية، فإن العودة الكريمة الآمنة والمستدامة تصبح مساراً قابلاً للتحقق، لا شعاراً سياسياً عابراً. فالأمن الحقيقي لا ينفصل عن العدالة، والاستقرار الإقليمي لا يستقيم دون تضامن فعلي في تقاسم الأعباء والفرص.
وبالتالي، فإن الرهان المستقبلي لا يكمن في تشديد القيود، بل في تعميق الثقة، ولا في إغلاق الحدود، بل في فتح آفاق التعاون. فحوكمة الهجرة على أسس إنسانية تكاملية تمثل خطوة نحو نظام إقليمي أكثر تماسكاً، يعترف بأن الإنسان هو الغاية والوسيلة معاً، وأن صون كرامته هو الطريق الأقصر نحو استقرارٍ دائم وتنميةٍ شاملة.

