إدمان الشهرة: كيف يغير السوشيال ميديا قيمنا الاجتماعية؟
د. فاكية عزاق
في العصر الرقمي، أصبحت الشهرة ظاهرة اجتماعية متاحة للجميع، ولم تعد مقتصرة على الشخصيات العامة أو الفنانين أو العلماء، بل بات بإمكان أي فرد أن يصبح مؤثرًا على منصات التواصل الاجتماعي بمجرد تحقيق انتشار واسع لمحتواه. ومع ذلك، فإن هذه السهولة لم تأتِ دون ثمن، فقد أدى السعي المحموم وراء الشهرة إلى تغييرات جوهرية في القيم الاجتماعية، وأصبح النجاح يُقاس بعدد المتابعين بدلاً من الإنجازات الفعلية. من منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذه الظاهرة ضمن إطار تحولات المجتمع الحديث، حيث تلعب التكنولوجيا والإعلام دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الهوية الفردية والجماعية. فكيف يؤثر إدمان الشهرة على القيم الاجتماعية؟ وهل نحن أمام أزمة اجتماعية جديدة؟
- السوشيال ميديا وإعادة تشكيل مفهوم النجاح الاجتماعي
في المجتمعات التقليدية، كان النجاح يُقاس بالعمل الجاد، التحصيل العلمي، أو المساهمة في المجتمع. أما في ظل صعود ثقافة المشاهير الرقميين، فقد أصبح النجاح مرتبطًا بالقدرة على جذب الانتباه والتفاعل الجماهيري، بغض النظر عن طبيعة المحتوى. يمكن تفسير هذا التحول باستخدام نظرية رأس المال الرمزي لعالم الاجتماع بيير بورديو، حيث أصبحت الشهرة بديلاً عن رأس المال الثقافي أو الاقتصادي، وأصبحت القدرة على تحقيق “الترند” نوعًا جديدًا من الهيمنة الاجتماعية.
لقد أدى هذا التحول إلى تراجع قيمة المعرفة والخبرة لصالح ثقافة الإثارة والاستعراض. فالشخص الذي ينشر فيديوهات مثيرة للجدل أو تحديات غير تقليدية قد يحقق شهرة أكبر من طبيب أو باحث يمتلك سنوات من الخبرة. وبهذا، تعيد وسائل التواصل الاجتماعي ترتيب الهياكل الطبقية، حيث أصبح التأثير الاجتماعي لا يرتبط بالمكانة الأكاديمية أو المهنية، بل بالقدرة على تحقيق التفاعل الرقمي.
- تحولات القيم الاجتماعية: من الخصوصية إلى العلنية المطلقة
في المجتمعات ما قبل الرقمية، كانت الخصوصية قيمة اجتماعية محورية، وكان الأفراد يحرصون على إبقاء تفاصيل حياتهم الشخصية ضمن نطاق محدود. أما اليوم، فقد أصبحت الحياة الشخصية مادة للعرض والمشاركة المستمرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى تغير جوهري في مفهوم الخصوصية.
يعبر هذا التحول عن ما يسميه عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان بـ “إدارة الانطباع“، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم صورة محسنة عن أنفسهم أمام الجمهور الرقمي. في هذا السياق، تصبح السوشيال ميديا بمثابة “خشبة مسرح” يعرض عليها الأفراد نسخًا مثالية من حياتهم، مما يخلق فجوة بين الواقع الاجتماعي والواقع الافتراضي. هذه الظاهرة تؤدي إلى تطبيع فكرة أن النجاح يتطلب مشاركة كل تفاصيل الحياة، حتى الأكثر خصوصية، بهدف تعزيز الحضور الرقمي.
من ناحية أخرى، أدت هذه العلنية المطلقة إلى إضعاف الحدود بين الحياة العامة والخاصة، مما تسبب في ضغوط اجتماعية ونفسية على الأفراد، خصوصًا الشباب الذين يشعرون بأنهم مطالبون بمواكبة معايير رقمية صارمة للحصول على القبول الاجتماعي.
- تأثير إدمان الشهرة على التفاعل الاجتماعي الحقيقي
في ظل هيمنة الثقافة الرقمية، تغيرت طبيعة التفاعل الاجتماعي، حيث أصبح التفاعل عبر الإنترنت بديلاً للعلاقات الاجتماعية المباشرة. من منظور سوسيولوجي، يمكن تحليل هذا التحول من خلال نظرية المجتمع الشبكي لعالم الاجتماع مانويل كاستلز، والتي تشير إلى أن المجتمعات الحديثة أصبحت قائمة على التفاعلات الرقمية أكثر من التفاعلات المباشرة.
هذا التغير أدى إلى نتائج سلبية عدة، من بينها:
- ضعف الروابط الاجتماعية التقليدية: إذ أصبح الأفراد أكثر اهتمامًا بتكوين علاقات رقمية على حساب العلاقات الحقيقية، مما يؤثر على مفهوم الأسرة والمجتمع.
- تزايد مشاعر العزلة والاكتئاب: حيث يصبح الأفراد مهووسين بتلقي التفاعل الرقمي، مما يؤدي إلى شعور بالنقص أو الإحباط عند غياب الاهتمام.
- ظهور اضطرابات نفسية مرتبطة بالسوشيال ميديا: مثل “اضطراب القلق الاجتماعي الرقمي“، حيث يشعر الأفراد بأنهم تحت ضغط مستمر لنشر محتوى يجذب الانتباه.
- من الاستهلاك إلى الإنتاج: تحول الجمهور إلى صناع محتوى
في الماضي، كان الجمهور مستهلكًا سلبيًا للمحتوى الإعلامي، لكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان أي فرد أن يكون صانع محتوى. هذه الظاهرة يمكن تحليلها باستخدام مفهوم “الاقتصاد التشاركي“، حيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي المصدر الوحيد للمعلومات، بل أصبح المستخدمون أنفسهم فاعلين رئيسيين في صناعة المحتوى.
لكن هذه الديناميكية الجديدة لم تؤدِ فقط إلى تنوع المحتوى، بل أيضًا إلى تعزيز ثقافة الاستهلاك السريع والانجذاب للمحتوى الأكثر إثارة، بغض النظر عن جودته أو مصداقيته. أدى ذلك إلى:
- انتشار الأخبار الزائفة والمحتوى غير الموثوق، حيث يسعى الكثيرون لتحقيق الشهرة بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك عبر نشر معلومات مضللة.
- تزايد ثقافة التقليد والمحاكاة، حيث يسعى المستخدمون لتقليد المشاهير الرقميين من أجل تحقيق الشهرة، مما يقلل من الإبداع الفردي.
- تعزيز قيم النرجسية والأنانية، حيث أصبح بناء “البراند الشخصي” هدفًا أساسيًا للفرد على حساب القيم الجماعية.
- مستقبل القيم الاجتماعية في ظل هيمنة ثقافة الشهرة
إذا استمرت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل القيم الاجتماعية بهذه الطريقة، فقد نكون أمام مستقبل تتحول فيه العلاقات الاجتماعية إلى مجرد “أداء رقمي”، حيث يصبح كل فرد مطالبًا بتقديم نسخة محسنة من نفسه لجذب القبول الاجتماعي.
لكن في المقابل، هناك محاولات لمقاومة هذه الظاهرة، حيث بدأ بعض المستخدمين في تبني ممارسات مثل “التخلص الرقمي” (Digital Detox) والعودة إلى التفاعل الحقيقي، مما يعكس وجود وعي متزايد بتأثير السوشيال ميديا على القيم الاجتماعية.
إن إدمان الشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس مجرد ظاهرة ترفيهية، بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية عميقة تؤثر على القيم الأساسية للمجتمع. فمن خلال إعادة تعريف النجاح، تغيير مفهوم الخصوصية، والتأثير على التفاعل الاجتماعي، أصبحت الشهرة الرقمية قوة اجتماعية جديدة تشكل هوية الأفراد والجماعات. وعلى الرغم من الفوائد التي توفرها هذه المنصات، إلا أن الحاجة إلى وعي اجتماعي أعمق بهذه التغيرات باتت ضرورية للحفاظ على التوازن بين الواقع الرقمي والقيم الإنسانية الأساسية.
